شركة ميناء حاويات العقبة تنفذ سلسلة من النشاطات البيئية والمجتمعية ضمن نسخة 2026 من مبادرة 《الأسبوع الأخضر Go Green   |   %80 في الأردن يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتسوق مع بقاء الثقة عاملاً حاسماً عند الدفع حسب دراسة لفيزا   |   زين تطلق بالتعاون مع beIN عروضاً لمتابعة بطولة كأس العالم TMFIFA 2026    |   افتتاح محطة أبوغزاله المعرفية في مبرة أم الحسين برعاية سمو الأميرة بسمة بنت طلال   |   بيان صادر عن حزب الميثاق الوطني   |    ريم بلبيسي تنضم إلى اللجنة الاستشارية للمجلس العالمي للنساء القياديات   |   حفل اشهار كتاب«شظايا حرير» في المركز الثقافي الملكي    |   Orange Jordan & MetLife Partner to Offer Insurance Services via Orange Money   |   يتسع لـ 46 ألف متفرج... بدء أعمال الحفر لأكبر ستاد في الأردن على مساحة الف دونم   |   أبوغزاله العالمية الرقمية تستعرض رؤيتها للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في منتدى قازان2026   |   جامعة فيلادلفيا تختتم برامج متخصصة في المهارات الرقمية بالتعاون مع 《دوت الأردن》   |   الفائزون في مسابقة بنك القاهرة عمان لرسومات الاطفال ( الدورة السادسة عشر )   |   تجارة عمّان تعزز تميزها المؤسسي بثلاث شهادات دولية   |   الأمين العام ورئيس المجلس المركزي وأعضاء المكتب السياسي لحزب الإصلاح يرتدون قميص النشامى في أول اجتماعاتهم دعماً للمنتخب الوطني   |   القعقاع التميمي   |   تجارة عمّان والأردنية للوقاية من حوادث الطرق توقعان مذكرة تعاون مشترك   |   برئاسة النائب المهندس سالم العمري لجنة السياحة والآثار النيابية تشارك في احتفالات السفارة الأردنية في روما بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين للمملكة   |   زين ترعى برومين سباق السيدات 2026   |   تجارة عمّان والسفارة التشيكية تبحثان فرص الاستثمار والتعاون   |   الزميل محمود أيوب يُرزق بـ 《ماسة》   |  

ما أنا بقارئ


ما أنا بقارئ
الكاتب - د. نهاد الجنيدي

ما أنا بقارئ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: من لا يقرأ التاريخ يكتبه.

 

تحيّة طيّبة وبعد،

 

الأحد الدامي… أو الأحد الأسود.

هيا بنا نقرأ، نفهم، وندرك.

 

في الثاني والعشرين من يناير عام 1905، خرجت الجماهير في روسيا تطالب بالخبز والعدالة والسلام.

خرجوا حاملين الأيقونات والصلبان، لا الحجارة والسيوف.

لكنّ الرصاص كان أسرع من الدعاء، وسقط الأبرياء قبل أن يفهموا من أطلق النار.

 

الثلج يغطي الشوارع ككفنٍ أبيض.

تتساقط قطرات دم بلون اسود 

تظهر الأيقونات والصليب في أيدي المتظاهرين،

نساءٌ يرفعن صورًا، رجالٌ يهمسون بصلوات،

أطفالٌ تتسع عيونهم دهشةً.

 

تعلو الهتافات شيئًا فشيئًا — عدالة… خبز… سلام…

تمتزج أصوات التراتيل بقرع أجراسٍ بعيدة،

ثم تتسارع دقات القلب في الخفاء.

 

الدهشة تقترب من وجه القيصر،

نظرته تتنقّل بين الجموع،

يُصغي للأصوات كما لو كانت موسيقى لا يفهم لحنها.

 

وبين الحشود، عيونٌ غريبة تلمع، تهتف بالثورة وتهمس بالفتنة.

 

وفجأة — صوت طلقة.

تتجمّد الصورة للحظة،

تسقط اللافتة من يد امرأةٍ عجوز،

ويتحوّل المشهد إلى صمتٍ كثيف،

كأنّ صفحات التاريخ ليست سوى بضع صفحاتٍ مكرّرة،

نُسخت بخطٍّ جديد.

 

لم يكن القيصر يواجه شعبه، بل كان يواجه خطةً أكبر منه ومنهم.

خطة كُتبت بحروفٍ خفية على رقعة شطرنجٍ دولية، تتحرّك فيها : الشعوب بيادق، والقيصر هدف ، واللاعب الحقيقي لا يظهر أبدًا.

 

ومن المضحك المبكي أن من نادى باسم الكنيسة وأشعل الثورة باسم الإيمان،

كان أول ما فعله بعد الانتصار أن هدم الكنائس،

وألغى كل مظاهر العبادة،

وأعدم العلماء والمفكّرين،

ونفى من تبقّى منهم إلى المنافي البعيدة.

تحوّلت شعارات الحرية إلى قيودٍ جديدة،

وصار الصمت واجبًا، والعبادة جريمة.

 

منذ تلك اللحظة، بدأ التاريخ ينسخ نفسه

 ( كوبي بيست )من ثورةٍ إلى أخرى، ومن بلدٍ إلى بلد، بنفس السيناريو

هتاف، دم،، فوضى .

تُقتل القيم قبل أن تُقتل الجيوش، وتُباد الأخلاق باسم الحرية، ويُباع الوطن بأثمانٍ رخيصة.

 

الإعلام يكمّل المشهد.

لم تعد البنادق وحدها تقتل، بل الكاميرات أيضًا.

زاوية واحدة تُغيّر مصير أمة، وشاشة واحدة تُقلب البطل إلى طاغية، والقاتل إلى شهيد.

 

أما النشطاء ، فهم ممثّلو الصفّ الثاني في المسرحية ،يتقنون التمثيل أكثر مما يتقنون الكذب ،

ويعيشون على فتات التمويل الخفيّ لا على الخبز و الزيت .

فصاروا أدواتٍ في صراعات لا يدركون أبعادها.

 

تتكرّر القصة في كلّ مكان، بنفس الحبكة:

الشعوب تخرج باسم الكرامة، فتفقد كرامتها.

تهتف باسم العدالة، فتُسلب حريتها.

تبحث عن الخلاص، فتقع في فخٍّ جديدٍ من صنع اليد نفسها، اليد التي تحرّك البيادق .

لم يعُد الرصاص وحده يقتل، ولا المدافع تُسقط المدن.

اليوم تُسقطها الكلمة المصوَّرة.

صورة واحدة تُفبرك في غرفةٍ مظلمة، فتُشعل ثورة في بلدٍ لم يبدأ فيها شيء.

.

صوتٌ مُعدَّل بالذكاء الاصطناعي يُغيّر اتجاه الرأي العام،

ومشهدٌ مقتطع من سياقه يصنع بطلاً أو خائناً في دقائق.

 

بين عام 1905 و2025، لم يتغيّر شيء سوى نوع الكاميرا.

أما اللعبة فهي ذاتها:

المشهد يُخرجه الآخرون، والدم يُسفك باسم الحرية،

وما زالت الشعوب تُصدق وهي تُقاد إلى المصير ذاته، ولكن هذه المرة عبر الشاشات.

 

في النهاية، يعود السؤال كما في البداية:

من أطلق النار؟

ومن كتب السيناريو؟

 

إن كنت تقرأ هذه الكلمات في أمنٍ وأمان،

فلا تكتفِ بالفهم، بل بالإدراك فعلى الاغلب انه لم يفت الاوان بعد .

لأن من لا يُدرك في الوقت المناسب،

سيجد نفسه سطرًا آخر في رواية جديدة تُكتب بعنوان:

ما أنا بقارئ، 

 .حين يكون الجهل اختيارًا لا عذرًا.

و في النهاية :

عزيزي القارئ نسال سؤالا مهماً :

من يكتب التاريخ؟

أهو من عاصره، أم من خطّط له .

فحين تسمع كلمة اقرأ:

لا تقل ما انا بقارئ .