حين يسقط الغراب
حين يسقط الغراب
بسم الله الرحمن الرحيم
نعيقٌ مذعورٌ يملأ السماء…
يتقطّع بين صرخةٍ وأخرى بسبب اللهاث.
جناحان يرفرفان بكل ما أوتيا من قوة، وعينان لا تَرَيان إلا الهدف الذي أمامهما.
هناك…
في الأعالي.
كان الصقر يحلّق بصمت.
صمتٌ لا يشبه الخوف.
ولا يشبه التردد.
بل يشبه اليقين.
وخلفه كان الغراب يطارد.
يرتفع…
ويرتفع…
ويرتفع بكل طاقته، ظنًّا منه أن الصقر هاربٌ منه.
ولا يدري أن الصقر لا يهرب.
فالصقر يأبى أن ينزل إلى مستوى الغربان والعصافير، ولا يرى في منازلتها شرفًا ولا بطولة، لذلك يتركها خلفه ويواصل الصعود إلى الارتفاعات التي اعتاد التحليق فيها.
أما الغراب فكان يفسّر الصمت خوفًا.
ويفسّر الارتفاع هروبًا.
ويفسّر التجاهل انتصارًا.
فواصل المطاردة.
حتى بدأت السماء نفسها تعاقبه.
فالغراب والزغاليل لم تُخلق للارتفاعات الشاهقة التي اعتادت الصقور الطيران فيها.
هناك يصبح الهواء أرق.
ويصبح التنفس أصعب.
وتنكشف الحقيقة التي كانت مختبئة تحت ضجيج النعيق.
وفجأة…
بدأ الغراب بالاختناق.
ثقلت أجنحته.
وتقطّع صوته.
وخمد نعيقه الذي كان يملأ السماء قبل لحظات.
وهنا فقط أدرك الحقيقة:
لم يكن الصقر يهرب منه قط.
كان فقط يصعد إلى المكان الذي ينتمي إليه.
أما هو…
فكان يطارد ما لا يستطيع الوصول إليه.
فسقط.
ولم يسقط لأن الصقر هاجمه.
ولم يسقط لأن أحدًا أسقطه.
بل سقط لأن الغراب أخطأ تقدير نفسه

