العقوبات البديلة في الأردن… حين تصبح العدالة إصلاحا لا مجرد عقاب
العقوبات البديلة في الأردن… حين تصبح العدالة إصلاحا لا مجرد عقاب
بقلم: الدكتورة كفى ياسر الحروب
كلية الحقوق – جامعة عمان العربية
لم تعد فلسفة العقوبة في التشريعات الجنائية الحديثة تقوم على إيلام الجاني وسلب حريته فحسب، وإنما أصبحت تنطلق من رؤية أكثر شمولا تسعى إلى تحقيق العدالة وحماية المجتمع وإصلاح المحكوم عليه وإعادة دمجه في الحياة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق تمثل العقوبات البديلة في الأردن تحولا مهما في السياسة الجنائية، يعكس إدراك المشرع أن السجن ليس دائما الوسيلة الأكثر فاعلية في مواجهة الجريمة.
وقد خطا المشرع الأردني خطوة متقدمة من خلال تعديل قانون العقوبات لسنة 2025، ولا سيما المادة (25 مكررة)، التي وسعت نطاق تطبيق بدائل العقوبات السالبة للحرية، وأتاحت للمحكمة في الجنح وفي بعض الجنايات التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها فيها ثلاث سنوات، ووفق شروط وضوابط قانونية محددة، استبدال العقوبة ببديل أو أكثر، من بينها الخدمة المجتمعية والبرامج التأهيلية والعلاجية والمراقبة الإلكترونية وتقييد الحركة.
وتكمن أهمية هذه البدائل في أنها تحقق مبدأ تفريد العقوبة، بحيث تتناسب مع شخصية المحكوم عليه وظروفه الاجتماعية وخطورة الجريمة المرتكبة. فليس من العدالة الجنائية أن نتعامل مع جميع المحكوم عليهم بمنطق عقابي واحد، دون النظر إلى فرص إصلاحهم وآثار العقوبة في أسرهم ومستقبلهم. كما أن العقوبات البديلة تسهم في الحد من الاكتظاظ داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وتخفيف الأعباء المالية عن الدولة، وتجنب بعض الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية للعقوبات قصيرة المدة.
غير أن نجاح هذه السياسة لا يقاس بعدد الأحكام الصادرة بالعقوبات البديلة، وإنما بمدى قدرتها على الحد من العودة إلى الجريمة وتحقيق التأهيل الحقيقي للمحكوم عليهم. وهو ما يتطلب برامج تنفيذ فعالة ورقابة قضائية ومؤسسية دقيقة، وشراكة بين وزارة العدل والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني.
إن العقوبات البديلة لا تعني التساهل مع الجريمة أو الانتقاص من حقوق الضحايا، وإنما تعبر عن تطور مفهوم العدالة الجنائية من الاقتصار على العقاب إلى الجمع بين الردع والإصلاح. فالعدالة ليست في عدد من يدخلون السجون، وإنما في قدرة القانون على حماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة وإعادة الإنسان إلى الطريق الصحيح.
وهنا تتجلى قوة الدولة القانونية، حين تجمع بين حزم القانون وإنسانية العدالة.

