الخصاونة يكتب: ولي العهد يحتفي بثمار خدمة العلم في تخريج فوجها الأول من الرؤية الى التطبيق وعنوانها الانتماء   |   Jordan Telecommunications Company Continues Strong Performance and Announces Record Profits Distribution of JD 41.25 Million   |   التأمين الاسلامية توزع 15% أرباحاً نقدية على المساهمين   |   السردية الأردنية: معركة الوعي الأخيرة والشباب هم خط الدفاع الأول   |   《سامسونج إلكترونيكس》 المشرق العربي تعلن عن حملة الصيانة المجانية السنوية على أجهزة التكييف المنزلي   |   الخلايلة رئيسًا لكتلة الميثاق الوطني النيابي   |   مؤشر الرقمنة للشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة من النساء ضمن مبادرة 《 She’s Next》   |   أسرع وتعمل في الوقت الحقيقي: Audio Eraser ترتقي بتجربة الاستماع في سلسلة Galaxy S26   |   صوت الأردن عمر العبداللات نجم إفتتاح مهرجان جرش 2026   |   جامعة فيلادلفيا تختتم منافسات 《بطولة الربيع》 الرياضية والفنية لمدارس المملكة   |   المهندس علاء بخيت سلطي فاخوري يشكر قيادة حزب العمال بعد انتخابه عضواً في المجلس المركزي   |   بنك الأردن يواصل دعمه الإنساني للجمعية الأردنية للعون الطبي للفلسطينيين   |   العقبة يحتفي باليوم العالمي للسلامة للعام 2026   |   زين تطلق 《الأكاديمية التنظيمية》 بالشراكة مع GSMA Advance   |   مزيد من الضغوط على سوق العمل الأردني في ضوء التطورات الجيوسياسية في المنطقة   |   مجموعة المطار الدولي تستقبل نحو مليوني مسافر في الربع الأول من عام 2026 عبر مطار الملكة علياء الدولي   |   فيلادلفيا تحصد المركز الثاني في مسابقة التميز المحاسبي للجامعات الأردنية   |   الأردن بعد شرارة الحرب: بين القراءة الاقتصادية والأداء الفعلي   |   Orange Jordan Sponsors 》Arab Future Programmers》 Competition to Elevate Youth Skills   |   ( 600 ) مليون دينار اشتراكات مُقدّرة ضائعة على مؤسسة الضمان سنوياً   |  

التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي


التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي
الكاتب - الدكتور نضال المجالي

الدكتور نضال المجالي

 

قبل اسبوع، وجدت نفسي في جلسة عامرة على منسف، اجتمع فيها نخبة من الأصدقاء والمعارف بضيافة “معزب بريشي حشم”. يومها جلس بيننا شخصية كركية مرموقة في القانون، علماً ومنصباً، وكنت أظن أن الحوار سيتجه نحو قضايا القضاء والتشريعات. لكن المفاجأة أن الرجل، وما أن بدأ الكلام، حتى تحولت الجلسة إلى درس عميق في التاريخ والأنساب والعصور، بأسماء وتفاصيل لم نعلمها او يتم تدريسها عليّ وعلى الحضور حسب كلامهم قط.

 

اعترفت بيني وبين نفسي – وربما على مسمع من البعض – أنني في مقابل ثقافته “قارئ على قد اليد”. صحيح أنني أقرأ هنا وهناك، واحاول ان احلل واضع بصمتي حتى لو مقترحا، لكن ما سمعته تلك الليلة جعلني أدرك أن بعض الرواة، مهما كان اختصاصهم بعيدا عن التاريخ او حتى مستقبلنا الضبابي، يمتلكون قدرة ووعي وثقة على نسج بناء ونقل رواية صادقة وصريحة تفوق ما نجده في كتب مطبوعة أو مقالات مزخرفة او حصص مدرسية وجامعية او حتى مقابلات تلفزيونية.

 

هنا تذكرت كم مرة استضفنا أو شاهدنا من يقدَّم على أنه “خبير” او “مؤرخ”، فقط لأنه قرأ كتاباً حديث الطباعة، او صديقا لمدير محطة او برنامج مسجل، بينما يغيب عن الشاشات واللقاءات من يملك الرواية الحقيقية كصديقنا القانوني. النتيجة أن التاريخ عند كثير ممن اطلوا عليا كان يُنقل مبتوراً، أو يُعاد تشكيله ليناسب هوى الراوي. بعضهم يتعصب لمكانه أو قبيلته، فيحوّل الحكاية إلى قصيدة مدح، وآخر يختصر أحداثاً كبرى في جملة سطحية. والأسوأ أن هذه الأخطاء قد تتحول إلى “روايات رسمية”، فنعلّم أبناءنا نصف الحقيقة، ونكبر على ذاكرة ناقصة.

 

ولكم أن تتخيلوا كيف تنقلب الأمور إلى مهزلة، حين يخرج أحدهم ليؤكد أن معركة خاسرة كانت “نصراً مؤزراً”، ويثقلنا آخر بادعائه أن قبيلته هي أول من اخترع العجلة والإنترنت معاً! وآخر نعلم انه نال افضل الفرص والامتيازات يخطب بالعامة انه تقلد المنصب بمنافسة بعد ان تقدم بطلب توظيف، وشهدت يوما من اقسم اليمين تكليفا وهو يتغنى بأمجاد والده وعشيرته انها من صنعت مستقبلنا وأمننا، وعلمت لاحقا ان هناك من قاد مركبته في العودة لمنزله لضمان سلامة وصوله ولكم ان تحددوا السبب، واخرهم يعتلي موقعا كان يوما اسمه في سجل قضية يخصها، ثم نجد من يصفق ويطبل لهم جميعا، فيما يتناقلونه من أخبار، وكأننا في مسرحية هزلية لا في سجل للتاريخ، ونسوا “ان حارتنا ضيقة”.

 

في المقابل، حين تختار الراوي المثقف الصريح المتابع والمتتبع، ترى الفرق. فلو سمعت لخبرة وتاريخ البحر مثلا في العقبة من صياد يجلس فوق “الدونقي” ستراه يصف لك البحر بمصطلحاته الدقيقة بحرفية وعزف بكلمات لا تسمعه في احاديث وتفاخر غيره نعلم جميعا انه تعلم السباحة بمسبح في أندية “عمان”، ولو جلست بقرب مسنّ كركي ليروي لك عن تاريخ رجال فيها او عن الزراعة بأدواتها ومواسمها، او العادات والعشائر وانسابها فستشعر أن الرواية ليست فقط علماً بل حياة. وكنت قبلها جلست في وادي السير مع “ابو خضرة” مزارع يربي النحل، يتحدث بعمق عن التغير المناخي بحكم تجربته بإنتاج العسل، هؤلاء هم الرواة الذين يضيفون على الكتاب لا يكررونه.

 

تجربتي تلك على “سدر” المنسف علمتني درساً بليغاً: صدق الرواية ليس حكراً على المؤرخين ولا على الأكاديميين، وعلى ضيوف الشاشات حديثا، بل على من عاش بعمق، وان لم يكن من ذات العصر فهو من عاين، ودقق، وغاص، ونقل بأمانة وتشويق. فلو أحسنا اختيار رواة قصصنا وتاريخنا – ومثلهم مسؤولينا-، لما وقعنا في فخاخ النقص والتعصب، ولما ضحكنا – بسخرية مُرّة – على نتائج خياراتنا الخاطئة.

 

ولهذا فأن صدق الرواية ضمانة لصدق الهوية. ومن لم يحسن اختيار راويه ويوثق تاريخه بصدق، فليستعد لأن يحمل على كتفيه تاريخاً ناقصاً كالمنسف بلا جميد.