《تمريض》عمان الأهلية تُنظّم ندوتين توعويتين بالمركز الصحي بعين الباشا   |   الأمن الوطني وحماية المصالح الوطنية العليا أولويات المرحله القادمة   |   سامي عليان يشيد بجهود الدفاع المدني الأردنيويوجه رسالة شكر للعميد ناصر السويلميين ونشامى الدفاع المدني   |   حملة الخير الرمضانية في القدس: 5112 كوبوناً عبر 16 متجراً لدعم الأسر وتنشيط السوق   |   Orange Jordan Launches》Inspiring Change” Award 2026 with Capital Bank & int@j》   |   Samsung Wallet يطلق ميزة مفتاح المنزل الرقمي Digital Home Key للتحكم بالأبواب الذكية   |   الحجاج: الرياضة سلاح الشباب في مواجهة المخدرات   |   النقد سهل لكن العمل هو الامتحان الحقيقي   |   الهيئة العامة لبنك الأردن تقر توزيع أرباح على المساهمين بنسبة 18% عن العام 2025   |   الأردن ليس ساحة لحروب الآخرين… وسيادته خط أحمر يحميه جيشٌ لا يساوم على الوطن   |   قد توعّدني العبد   |   شقيرات: مخزون المملكة من المواد التموينية والسلع الاستهلاكية الأساسية آمن للغاية وسلاسل التوريد تعمل بوتيرة مستقرة   |   العودة إلى الرياضة بعد رمضان: كيف تستعيد نشاطك البدني بطريقة صحية؟   |   البنك العربي يدعم حملة مؤسسة ولي العهد 《افعل الخير في شهر الخير》   |   زين تفتتح معرضها الجديد كلياً في إربد   |   كلية عمون الجامعية التطبيقية تقيم إفطاراً رمضانياً للطلبة الوافدين العرب والأجانب   |   مجموعة المطار الدولي تعزز الربط الإقليمي لمطار الملكة علياء الدولي بإطلاق مسار عمّان-الشارقة الجديد عبر الملكية الأردنية   |   أبو رمان: الحكومة تبحث عن «نقطة تعادل لا نهائية» في قانون الضمان الاجتماعي   |   Launch of Programme to Expand Private Sector Access for Entrepreneurs   |   بالصور ..عمان الأهلية تكرّم الفائزين بجائزة المرحوم د.أحمد الحوراني الثامنة لتلاوة القرآن الكريم لطلبة الجامعات الأردنية   |  

التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي


التاريخ بين جميد المنسف ونكهة الراوي
الكاتب - الدكتور نضال المجالي

الدكتور نضال المجالي

 

قبل اسبوع، وجدت نفسي في جلسة عامرة على منسف، اجتمع فيها نخبة من الأصدقاء والمعارف بضيافة “معزب بريشي حشم”. يومها جلس بيننا شخصية كركية مرموقة في القانون، علماً ومنصباً، وكنت أظن أن الحوار سيتجه نحو قضايا القضاء والتشريعات. لكن المفاجأة أن الرجل، وما أن بدأ الكلام، حتى تحولت الجلسة إلى درس عميق في التاريخ والأنساب والعصور، بأسماء وتفاصيل لم نعلمها او يتم تدريسها عليّ وعلى الحضور حسب كلامهم قط.

 

اعترفت بيني وبين نفسي – وربما على مسمع من البعض – أنني في مقابل ثقافته “قارئ على قد اليد”. صحيح أنني أقرأ هنا وهناك، واحاول ان احلل واضع بصمتي حتى لو مقترحا، لكن ما سمعته تلك الليلة جعلني أدرك أن بعض الرواة، مهما كان اختصاصهم بعيدا عن التاريخ او حتى مستقبلنا الضبابي، يمتلكون قدرة ووعي وثقة على نسج بناء ونقل رواية صادقة وصريحة تفوق ما نجده في كتب مطبوعة أو مقالات مزخرفة او حصص مدرسية وجامعية او حتى مقابلات تلفزيونية.

 

هنا تذكرت كم مرة استضفنا أو شاهدنا من يقدَّم على أنه “خبير” او “مؤرخ”، فقط لأنه قرأ كتاباً حديث الطباعة، او صديقا لمدير محطة او برنامج مسجل، بينما يغيب عن الشاشات واللقاءات من يملك الرواية الحقيقية كصديقنا القانوني. النتيجة أن التاريخ عند كثير ممن اطلوا عليا كان يُنقل مبتوراً، أو يُعاد تشكيله ليناسب هوى الراوي. بعضهم يتعصب لمكانه أو قبيلته، فيحوّل الحكاية إلى قصيدة مدح، وآخر يختصر أحداثاً كبرى في جملة سطحية. والأسوأ أن هذه الأخطاء قد تتحول إلى “روايات رسمية”، فنعلّم أبناءنا نصف الحقيقة، ونكبر على ذاكرة ناقصة.

 

ولكم أن تتخيلوا كيف تنقلب الأمور إلى مهزلة، حين يخرج أحدهم ليؤكد أن معركة خاسرة كانت “نصراً مؤزراً”، ويثقلنا آخر بادعائه أن قبيلته هي أول من اخترع العجلة والإنترنت معاً! وآخر نعلم انه نال افضل الفرص والامتيازات يخطب بالعامة انه تقلد المنصب بمنافسة بعد ان تقدم بطلب توظيف، وشهدت يوما من اقسم اليمين تكليفا وهو يتغنى بأمجاد والده وعشيرته انها من صنعت مستقبلنا وأمننا، وعلمت لاحقا ان هناك من قاد مركبته في العودة لمنزله لضمان سلامة وصوله ولكم ان تحددوا السبب، واخرهم يعتلي موقعا كان يوما اسمه في سجل قضية يخصها، ثم نجد من يصفق ويطبل لهم جميعا، فيما يتناقلونه من أخبار، وكأننا في مسرحية هزلية لا في سجل للتاريخ، ونسوا “ان حارتنا ضيقة”.

 

في المقابل، حين تختار الراوي المثقف الصريح المتابع والمتتبع، ترى الفرق. فلو سمعت لخبرة وتاريخ البحر مثلا في العقبة من صياد يجلس فوق “الدونقي” ستراه يصف لك البحر بمصطلحاته الدقيقة بحرفية وعزف بكلمات لا تسمعه في احاديث وتفاخر غيره نعلم جميعا انه تعلم السباحة بمسبح في أندية “عمان”، ولو جلست بقرب مسنّ كركي ليروي لك عن تاريخ رجال فيها او عن الزراعة بأدواتها ومواسمها، او العادات والعشائر وانسابها فستشعر أن الرواية ليست فقط علماً بل حياة. وكنت قبلها جلست في وادي السير مع “ابو خضرة” مزارع يربي النحل، يتحدث بعمق عن التغير المناخي بحكم تجربته بإنتاج العسل، هؤلاء هم الرواة الذين يضيفون على الكتاب لا يكررونه.

 

تجربتي تلك على “سدر” المنسف علمتني درساً بليغاً: صدق الرواية ليس حكراً على المؤرخين ولا على الأكاديميين، وعلى ضيوف الشاشات حديثا، بل على من عاش بعمق، وان لم يكن من ذات العصر فهو من عاين، ودقق، وغاص، ونقل بأمانة وتشويق. فلو أحسنا اختيار رواة قصصنا وتاريخنا – ومثلهم مسؤولينا-، لما وقعنا في فخاخ النقص والتعصب، ولما ضحكنا – بسخرية مُرّة – على نتائج خياراتنا الخاطئة.

 

ولهذا فأن صدق الرواية ضمانة لصدق الهوية. ومن لم يحسن اختيار راويه ويوثق تاريخه بصدق، فليستعد لأن يحمل على كتفيه تاريخاً ناقصاً كالمنسف بلا جميد.