الثمن المجتمعي لغياب التأهيل المهني   |   الظل بين النور والظلام   |   آل القنطار وآل النجم نسايب   |   الحاجة عفاف نمر مصطفى مكحل «أم إبراهيم» في ذمة الله   |   Gupshup تطلق منصة ذكاء اصطناعي صوتي ذاتية الخدمة، موسّعةً نطاق التفاعل الحواري ليشمل المكالمات الهاتفية   |   الإخلاص والأمانة.. أساس صلاح المجتمع والدولة   |   من الربط بالشبكة إلى الأحمال الحرجة:   |   الداوود يرعى إفتتاح COFFEE HOUSE" بن معروف "في إطار تعزيز آفاق الاستثمار بين البريد الأردني والقطاع الخاص   |   برعاية سمو الأميرة عالية كريمة توفيق الطباع.. «سنبلة» تروي حكاية التغيير من داخل المدرسة   |   MS Pharma تنظّم قمة الصيادلة الأولى 2026 في البحر الميت تحت شعار 《نحتفي بصيادلتنا   |   شركة ميناء حاويات العقبة تحقق رقماً قياسياً جديداً للشهر الثاني على التوالي بمناولة أكثر من 104 آلاف حاوية نمطية خلال شهر آب 2026   |   سامسونج إلكترونيكس المشرق العربي تدعم مركز الشباب العربي – الأردن بتقنيات تفاعلية لتعزيز تجارب الشباب   |   شكرٌ على تعازٍ   |   ثلاثة مبتعثين من عمّان الأهلية يحققون إنجازات أكاديمية متميزة بجامعة سيميلويس   |   منتدى الفكر العربي يعقد ندوته الفكرية 《الأكاديميا في العصر الرقمي: من إنتاج المعرفة إلى إعادة تشكيل الوعي العربي》     |   《السياحة النيابية》تدعو إلى تحويل مادبا إلى إقليم سياحي تنموي متكامل   |   الاتحاد الأردني لشركات التأمين يتحرك فوراً لمتابعة حقوق الأردنيين في حادث الحافلة المصرية وتسريع صرف التعويضات   |   وزير التربية والتعليم يرعى انطلاقة مبنى «BTEC» في أكاديمية الاتفاق الدولية   |   يقترب من 2000 مشارك… 1600 مسجل حتى تاريخه واكتمال الاستعدادات في الأردن لاستضافة GAIF 35    |   Orange Jordan Crowns Abdelhakeem Darawsheh Champion of the 2nd Edition of the Orange EA SPORTS FC™ 26 Tournament   |  

الثمن المجتمعي لغياب التأهيل المهني


الثمن المجتمعي لغياب التأهيل المهني
الكاتب - طلال ابو غزاله

الثمن المجتمعي لغياب التأهيل المهني

 

طلال أبوغزاله / 2026

 

تعكس الفجوة الآخذة في الاتساع بين التجربة الدولية والتجربة في العالم العربي في قطاع العمل المهني واليدوي أزمة أكبر من مجرد نقص في المهارات أو تفاوت في مستوى الخدمات.

 

المسألة مرتبطة بنظرتنا نفسها إلى هذا النوع من العمل، وبالطريقة التي تعاملنا بها معه طوال عقود وربما منذ أكثر من ذلك، وشتان بين مفهوم الحرفة في العالم المتقدم وصورتها الانطباعية في مجتمعاتنا إذ نشأت المهن اليدوية في معظم دولنا بطريقة رثة، قامت على تدوير الجهل ونقل الأخطاء بالتوارث البصري، في غياب تام لأي معايير تقويمية أو تأهيل مؤسسي.

 

صورة المهني في العالم المتقدم تختلف جذرياً عن صورتها في مجتمعاتنا؛ فهي هناك تأتي ضمن مسار أكاديمي محدد، هناك تعليم وتدريب، وشهادات، ورخص، ومعايير واضحة، ومسؤولية قانونية، وتخصصات دقيقة.

 

العامل الماهر مهنة لها مكانتها وشروطها أما عندنا، فما زال جزء كبير من هذا القطاع يعمل بمنطق مختلف ، يتعلم الشاب وغالبا طفل دخل مبكرا سوق العمل نتيجة الفقر والفاقة المهنة بطريقة بدائية على يد "معلم" يفتقر هو نفسه للمهارة الكافية وهو للأسف يعرف في سوق العمل باسم نظام المعلم والصبي.

 

وللإنصاف وقد يكون البعض منهم ماهرًا فعلًا، لكن مهارته تبقى مرتبطة بخبرته الشخصية، لا بمنظومة مهنية يمكن قياسها أو التأكد من مستواها وقد تجد شخصًا يمارس مهنة منذ عشرين عامًا، لكنه لم يحصل طوال هذه السنوات على تدريب مهني منظم أو شهادة معترف بها تثبت ما يستطيع القيام به وهنا تظهر المشكلة عندما نحتاج إلى خدمة مهنية فالمواطن لا يعرف دائمًا كيف يميز بين صاحب المهنة المحترف وبين من تعلم بعض أسرارها بالممارسة والتجريب وقد يدفع ثمن التجربة من جيبه، وأحيانًا من سلامة منزله أو سيارته أو منشأته.

 

وحتى نكون منصفين أكثر فإن المجتمع نفسه ساهم في تكريس هذه الحالة فقد اعتدنا أن ننظر إلى الشهادة الجامعية باعتبارها طريقًا للوجاهة والمكانة، بينما ننظر إلى المهنة اليدوية باعتبارها خيارًا لمن لم يستطع إكمال تعليمه او لمن جارت عليه الايام وهذه نظرة أضرت بنا جميعًا فالاقتصاد لا يحتاج إلى حملة الشهادات فقط بل إلى من يعرف كيف يتعامل باحترافية مع التمديدات الصحية والكهربائية والسباكة والبلاط والقصارة والميكانيك ومن يفهم في التبريد والتكييف، ومن يستطيع إصلاح الآلات، ومن يتعامل مع الأنظمة الصناعية، ومن يقرأ المخططات وينفذها، ومن يعرف كيف يعمل بيده كما يعرف كيف يفكر.

 

لليوم أستطيع معرفة لماذا نجعل من الطالب الذي اختار مهنة تقنية أقل شأنًا من زميله الذي اختار تخصصًا جامعيًا، بينما قد يكون الأول أكثر طلبًا في سوق العمل وأكثر قدرة على تحقيق دخل جيد.

 

إذن نحن أمام ذهنية اجتماعية استعراضية سبقت قيمتها الاقتصادية والعالم من حولنا يتغير فهناك دول بنت جزءًا كبيرًا من قوتها الصناعية على أساس العامل الماهر، وأعطته تدريبًا ورخصة وحقوقًا ومسارًا واضحًا للتطور.

 

لم يكن المطلوب منه أن يكون عامل ضرورة، وإنما أن يكون محترفًا يعرف مسؤوليته ويعرف السوق قيمته أما عندنا فما زال الطريق إلى الاحتراف غير واضح في كثير من المهن وهذا أمر لا يمكن أن يستمر طويلًا فالذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، والتطبيقات التعليمية، والمحتوى التقني المفتوح بدأت تغير العلاقة بين صاحب المهنة والمستهلك إذ لم يعد من السهل أن تبقى المعرفة محصورة في يد شخص واحد، أو أن يعتمد صاحب المهنة على عدم معرفة الزبون بالتفاصيل الفنية، اليوم يستطيع أي شخص أن يصور العطل، ويبحث عنه، ويقرأ عن أسبابه، ويشاهد طريقة إصلاحه، بل ويستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم المشكلة قبل أن يستدعي الفني وهذا لا يعني أن الناس أصبحوا فنيين، وإنما يعني أن احتكار المعرفة المهنية بدأ ينتهي.

 

هنا تحديدا تصبح الحاجة أكبر إلى العامل المحترف، لا أقل لأن الفني الذي يعرف عمله جيدًا لن يخشى من أن يفهم الزبون ما يقوم به، بل ستكون معرفته وخبرته وقدرته على التشخيص هي مصدر قيمته أما الذي بنى مهنته على التخمين أو استغلال جهل الناس، فلن يكون أمامه مستقبل طويل حتى يلفظه السوق وأعتقد أن هذه نقطة مهمة في إعادة النظر إلى التعليم المهني في العالم العربي.

 

لقد تغير العالم كثيرًا، ولم يعد من المقبول أن تبقى بعض أهم المهن التي يعتمد عليها الناس يوميًا خارج منظومة التعليم والتأهيل والتنظيم، والمشكلة ليست أن لدينا نقصًا في الأيدي العاملة بل في أننا دولا وحكومات لم نعطِ المهارة اليدوية المكانة التي تستحقها وإذا لم نفعل ذلك، فستبقى الفجوة قائمة بين اقتصاد يريد أن يتطور، ومهن لا تزال تُدار في كثير من الأحيان بالطريقة نفسها التي كانت تدار بها قبل عقود أما العالم الآخر، فقد فهم منذ وقت مبكر أن اليد الماهرة ليست يدًا عاملة فحسب إنها جزء من رأس المال الذي يبني الاقتصاد وربما لنا في اليابان والصين وألمانيا خير مثال.