الظل بين النور والظلام
الظل بين النور والظلام
قوة الظل
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾
الفرقان: 45–46
صرخة طفل تشق سكون الليل. يهرع أبواه إلى غرفته، فيجدانه يحرّك يديه مذعورًا أمام شيء يتحرك على الحائط. يرفع يده… فيرفعها. يحرك أصابعه… فتتحرك. يتراجع… فيتبعه. ينظر الأب إلى الحائط ويضحك. تقترب الأم، تمسك يد طفلها وتقول: «لا تخف يا بني… إنه ظلك. سيرافقك طوال حياتك، عليك أن تعتاد عليه.» يهدأ الطفل قليلًا، ينظر إلى الحائط ثم يسأل: «ولماذا يتبعني؟» سؤال طفل. لكن… هل نعرف نحن إجابته فعلًا؟
هل الظل مخلوق؟ الآية لا تمر على الظل مرورًا عابرًا: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ ثم: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ثم العبارة الأكثر إثارة للتأمل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾. لماذا مُدَّ الظل؟ ولماذا ذُكر سكونه؟ ولماذا كانت الشمس دليلًا عليه؟ لن نصنع من الآية نظرية فيزيائية، ولن ننسب إليها ما لم تقله. لكننا سنفعل شيئًا ربما يكون أكثر إثارة: سنسأل.
هل لكل جسم ظل؟ سؤال يبدو بسيطًا. فيزيائيًا، ليس لكل جسم ظل واضح في كل الظروف. الأمر يعتمد على وجود مصدر للضوء، وطبيعة الجسم، وشفافيته، وموقعه، والبيئة المحيطة. فالظل ليس مادة سوداء مستقلة تختبئ خلف الأشياء. عندما يعترض جسم مسار الضوء، تقل كمية الضوء التي تصل إلى منطقة خلفه، فتظهر منطقة الظل. إذن لدينا: نور ← جسم يعترضه ← ظل. وكلما اعترض جسم طريق النور… ظهر أثر الحجب. وهنا تتغير المسألة. فالظل لا يخبرنا فقط أن منطقة أصبحت أقل إضاءة، إنه يخبرنا أيضًا أن شيئًا ما وقف في طريق النور. فإذا رأينا ظلًا… هل نراقب الظل؟ أم نبحث عمّا حجب الضوء؟
هل النور يصنع الظل… أم يكشفه؟ من دون الضوء لا يظهر لنا ظل متميز، ومن دون جسم يعترض الضوء لا يتكون ظل ذلك الجسم. إذن هناك علاقة غريبة بين الاثنين. الجسم يحتاج إلى النور لكي يظهر ظله، والظل يحتاج إلى الحجب لكي تتحدد حدوده. فمن كشف من؟ هل النور كشف الجسم؟ أم الجسم كشف الظل؟ أم أن الظل كشف لنا أن شيئًا ما اعترض طريق النور؟ وهنا تظهر أول مفارقة: الظل ليس دليلًا على غياب النور فقط… بل قد يكون دليلًا على أن النور اصطدم بحاجز.
هل الظل يتبع الجسم؟ هكذا يبدو الأمر. نمشي… فيمشي. نتوقف… فيتوقف. نرفع أيدينا… فيرفعها. لكن ضع الجسم نفسه في المكان نفسه، ثم غيّر موضع الضوء. سيتغير الظل. يطول. يقصر. يتغير اتجاهه. وقد يصنع جسم صغير ظلًا هائلًا. الجسم نفسه لم يتغير. الذي تغير هو موضع الضوء بالنسبة إليه. إذن… هل الظل يتبع الجسم فعلًا؟ أم يتبع النور؟ أم يتبع العلاقة بين الاثنين؟ وهل حجم الظل يخبرنا بحجم الجسم الحقيقي؟ ليس بالضرورة. ولهذا ربما يجب ألا نحكم على حجم جسم من حجم ظله… قبل أن نعرف أين يوجد الضوء.

