مندوباً عن سمو الأمير الحسن بن طلال، رعى وزير الثقافة، مساء الأربعاء، حفل افتتاح الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان الفحيص «الأردن تاريخ وحضارة»، وسط حضور رسمي وثقافي وفني وإعلامي وجماهيري، في ليلة جمعت بين الاحتفاء بتاريخ الأردن وتقديم الفنون بوصفها وسيلة لاستعادة الذاكرة الوطنية.
وافتتح المهرجان بالأوبريت الدرامي الغنائي «فرحة وطن»، الذي قدم على مدى نحو أربعين دقيقة سردية فنية امتدت من الثورة العربية الكبرى عام 1916، مروراً بتأسيس الدولة الأردنية والاستقلال، وصولاً إلى مراحل البناء في عهد الملك الحسين بن طلال وعهد جلالة الملك عبدالله الثاني.
وحضر الحفل عدد من أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة والشخصيات الرسمية والثقافية والفنية والإعلامية، إلى جانب جمهور من أبناء الفحيص وضيوفها. واستهلت الفعاليات بعزف السلام الملكي من قبل مجموعة كشافة ومرشدات مار جريس التابعة لنادي شباب الفحيص، تلاه تقديم كلمات الافتتاح وعرض الأوبريت، ثم الجولة في أركان المهرجان وإيقاد شعلة الدورة الثالثة والثلاثين إيذاناً بانطلاق فعالياتها.
وفي كلمة الافتتاح، رحّب مدير المهرجان أيمن سماوي بسمو الأمير الحسن بن طلال، معرباً عن اعتزازه برعايته للمهرجان، ومؤكداً أن هذه الرعاية تعكس تقديراً لدور الثقافة والفكر في بناء الإنسان والمجتمع.
وقال سماوي إن مهرجان الفحيص حمل منذ انطلاقته قبل 33 عاماً شعار «الأردن تاريخ وحضارة»، وجعل من دوراته مساحة لاستحضار المحطات والمفاصل التاريخية للدولة الأردنية، والاحتفاء بالشخصيات الوطنية والمدن والمحافظات التي أسهمت في مسيرة الوطن.
وأكد أن الأردن ينعم بالأمن والاستقرار والأمان في ظل القيادة الهاشمية، مشيراً إلى أن حالة الاستقرار التي يعيشها الأردن تشكل مؤشراً مهماً في المنطقة.
ودعا إلى تقديم دعم حكومي مباشر وسنوي للمهرجان، بما يمكنه من مواصلة رسالته الثقافية والحضارية والتنويرية، مؤكداً أن مهرجان الفحيص «ليس مجرد حدث فني، بل هو مرآة تعكس الخطاب الثقافي والحضاري للأردن أمام العالم».
كما وجه الشكر إلى الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام والجهات الداعمة والرعاة، وفي مقدمتها وزارة الثقافة ووزارة السياحة وهيئة تنشيط السياحة وأمانة عمان الكبرى وبلدية الفحيص.
من جهته، أكد رئيس لجنة بلدية الفحيص المهندس عماد أحمد الحياري أن رعاية سمو الأمير الحسن للمهرجان امتداد لجهوده في الفكر والحوار الثقافي والوئام الإنساني وبناء الإنسان.
وقال إن المهرجان أصبح جزءاً من المشهد الثقافي والحضري للفحيص، و«عنواناً للفرح ومنبراً للثقافة والفن، ونافذة نطل من خلالها على أصالة الفحيص وثراء الأردن وتنوعه».
ووصف الحياري الفحيص بأنها «حكاية وطن» كتبتها أجيال متعاقبة من أبنائها، وحافظت على تراثها وعاداتها وقيمها، مؤكداً حرص البلدية على مواصلة دعم المهرجان وتعزيز دور المدينة الثقافي والتنموي.
وشكل أوبريت «فرحة وطن» أبرز محطات الافتتاح، في عمل أشرف عليه نائب نقيب الفنانين الأردنيين الدكتور محمد واصف، الذي كتب النص النثري ولحن معظم أغنيات الأوبريت، وجمع بين المسرح والغناء والموسيقى والاستعراض والصورة الفيلمية.
وينطلق الأوبريت من سؤال الطفل «الغد» الذي يؤدي شخصيته ريان فيومي، للفنان عبدالكريم الخلايلة الذي يجسد شخصية «التاريخ» ويحمل كتاباً تختزن صفحاته حكاية الأردن: «ماذا في هذا الكتاب؟».
ومن السؤال تبدأ رحلة فتح الكتاب، لتتحول الصفحات إلى مشاهد حية تستعيد مراحل من التاريخ الأردني، فيما تؤدي الفنانة ماريانا خوري شخصية «المرأة»، التي تظهر في صور رمزية متعددة، من الأردن والأرض والأم والذاكرة إلى أم الجندي والشهيد، وصولاً إلى المرأة الفحيصية في ختام العرض.
وتبدأ السردية من راية الثورة العربية الكبرى عام 1916، ثم وصول الأمير عبدالله الأول إلى معان وبدايات تأسيس الدولة الأردنية خلال عامي 1920 و1921، وصولاً إلى إعلان الاستقلال في الخامس والعشرين من أيار عام 1946.
ويتناول العمل بعد ذلك مسيرة بناء الدولة ومؤسساتها ودستورها، ويتوقف عند تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 ومعركة الكرامة عام 1968، قبل أن يستعرض مراحل البناء في عهد الملك الحسين بن طلال، في مجالات التعليم والصحة والزراعة والثقافة والطرق والجامعات.
ويؤكد الأوبريت في هذه الرحلة أن بناء الأردن لم يكن بناءً للمؤسسات والمنشآت وحدها، وإنما بناءً للإنسان الأردني الذي ظل محوراً لمسيرة الوطن.
وفي لوحة «سلام على الحسين»، استعاد الأوبريت رحيل الملك الحسين بن طلال في مشهد وجداني، قبل أن يعاد فتح كتاب التاريخ والانتقال إلى عهد جلالة الملك عبدالله الثاني، في معالجة رمزية لاستمرار الدولة وانتقال الراية والعهد ومواصلة مسيرة الأردن.واعتمد المشهد على تداخل الصورة والموسيقى والحركة والمواد الفيلمية، بما عزز البعد العاطفي في هذه المحطة من الحكاية.
واندمجت الأغنيات في البناء الدرامي للأوبريت، بحيث جاءت كل أغنية مرتبطة بالمرحلة التي ترويها الحكاية.
وحضرت قصيدة الشاعر حيدر محمود «هنا رغدان» لاستحضار البعد الهاشمي في السردية الوطنية، فيما جاءت أغنية «علمي عال» بعد لوحة الاستقلال، ضمن حوار الطفل مع أمه، لتقدم العلم الأردني بوصفه رمزاً للانتماء ومسؤولية تتصل بحماية الوطن وحمل معانيه.
وفي ختام الحكاية، جاءت أغنية «أنا الفحيص»، من كلمات فهد رمضان وألحان الدكتور محمد واصف، لتنتقل السردية من الوطن إلى المدينة التي تحتضن المهرجان.
وقدمت الأغنية الفحيص باعتبارها جزءاً أصيلاً من رواية الأردن، بما تختزنه من ذاكرة وتراث وكروم وبيوت وأهل وثقافة، وليس مجرد مكان يحتضن فعاليات المهرجان.



