حفل اشهار وتوقيع رواية آصف 2050.. للروائية عنان محروس في مركز الحسين الثقافي
حفل اشهار وتوقيع رواية آصف 2050.. للروائية عنان محروس في مركز الحسين الثقافي
شهد مركز الحسين الثقافي مساء أمس حفل إشهار وتوقيع رواية "آصف 2050"الصادرة عن دار دجلة ناشرون وموزعون للروائية عنان محروس، وسط حضور ثقافي وأدبي لافت ضم نخبة من الأدباء والشعراء والمثقفين والإعلاميين وأصدقاء الكاتبة، الذين ملؤوا صالة المركز بمشهد ثقافي مهيب عكس مكانة الرواية واهتمام الوسط الثقافي بالتجارب الإبداعية الأردنية المعاصرة.
وافتُتح الحفل بكلمة ترحيبية للروائية عنان محروس أكدت فيها على أهمية الفعل الثقافي ودور الرواية في ملامسة القضايا الإنسانية والفكرية، قبل أن تتحدث عن تجربتها في كتابة رواية *«آصف 2050»*، مستعرضةً أبرز المحطات الفكرية والإنسانية التي قادتها إلى إنجاز هذا العمل الروائي، وما يحمله من رؤى مستقبلية وأسئلة وجودية تعكس هواجس الإنسان وتحولات العالم.
وتخلل الحفل عدد من الأوراق والشهادات الإبداعية التي أغنت الأمسية، حيث قدم الناقد الدكتور زياد أبو لبن قراءة نقدية معمقة تناول فيها البنية الفنية والفكرية للرواية، مشيراً إلى اشتغالها على مستويات سردية متعددة، وما تحمله من إسقاطات إنسانية وفلسفية ذات بعد مستقبلي حيث قال د. زياد أبولبن:
تقدّم رواية «آصف 2050» للكاتبة عنان المحروس مشروعًا سرديًا يتجاوز حدود الرواية بوصفها حكاية خطّية، لتتحوّل إلى نصّ فلسفي/تأملي يشتبك مع أسئلة الوجود الإنساني في أعمق تجلياتها: المصير والحرية، الوعي واللاوعي، العلم والسلطة، الذاكرة والانهيار. فهي ليست رواية مستقبلٍ تقنيّ بالمعنى التقليدي، بل رواية قلقٍ إنسانيّ شامل، تضع الإنسان في مواجهة ذاته داخل عالمٍ يتقدّم علميًا بسرعة هائلة، بينما يتراجع أخلاقيًا وروحيًا على نحوٍ مقلق.
ينبني النص منذ عتبته الأولى على عنوانٍ شديد الكثافة الدلالية: «آصف 2050». هذا التركيب البسيط ظاهريًا يفتح أفقًا واسعًا من التأويل. فـ«آصف» ليس مجرد اسم لشخصية مركزية، بل علامة وجودية تحمل دلالات النقص والقلق والتشظي، وكأنها ذات لم تكتمل بعد أو مصيرٌ لا يزال في طور التشكل. أما الرقم «2050» فهو ليس تاريخًا زمنيًا فحسب، بل أفق رمزيّ مفتوح على الاحتمال: قد يكون زمن اكتمال الإنسان أو زمن انهياره النهائي. ومن هنا يتأسس العنوان بوصفه معادلة دلالية تختزل العلاقة بين الإنسان والزمن في صيغة مفتوحة لا تقبل الحسم.
تتعزز هذه الرؤية منذ الافتتاح، حيث تأتي اللغة مضطربة، متوترة، وكأنها تعكس اضطراب العالم الذي تصفه. لا يبدأ السرد من يقين، بل من تشظٍّ لغوي وفكري يضع القارئ مباشرة في قلب الإشكال. ويبلغ هذا التوتر ذروته في السؤال الميتاسردي: «فمن ستكون له القدم الأولى؟ الرواية أم القدر؟» وهو سؤال يكشف أن الرواية لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تفكك مفهوم السرد ذاته، وتعيد مساءلة العلاقة بين الحرية والحتمية، وبين فعل الكتابة ومطلق القدر.
أما الإهداء، فيتجاوز وظيفته الشكلية ليصبح بيانًا فلسفيًا مكثفًا، يقدّم رؤية كونية قلقة عن الوجود الإنساني. فيه تتجاور الحياة والموت والعشوائية، ويتحوّل الفرح والنجاة إلى احتمالات لا يقين فيها. كما يظهر الإنسان ككائن معلّق بين الإدراك والعجز، يعرف العالم لكنه عاجز عن تغييره، فيتحول الوعي نفسه إلى عبء وجودي.
وتتوزع الرواية على سلسلة من «الكوابيس» التي تشكل البنية العميقة للنص، حيث لا يُقاس الزمن بالأيام أو السنوات، بل بدرجات الانهيار الداخلي. الكابوس الأول يكشف بداية عالم مضطرب يتخفى فيه التقدم خلف قناع زائف، بينما يظهر الثاني جذور العنف في الطفولة بوصفه بذرة مبكرة للشر. وفي الكابوس الثالث تتفجر العتمة الداخلية حتى تتلاشى الحدود بين الإنسان ووحشيته، في حين يكشف الرابع تحول الضحية إلى جلاد، بما يعكس إعادة إنتاج العنف داخل البنية الإنسانية نفسها.
ومع الكوابيس اللاحقة، تنتقل الرواية إلى مستويات أكثر تركيبًا: من التأمل الفلسفي في معنى الوجود، إلى انكشاف هشاشة الحضارة الحديثة، وصولًا إلى الديستوبيا الرقمية حيث تتحول الرقابة إلى نظام شامل يراقب الوعي والسلوك والرغبات. وفي مرحلة لاحقة، يتحول الإنسان إلى كائن مقنّن بيولوجيًا وتقنيًا، فاقدًا لملكيته على جسده وحريته، وكأنه صار جزءًا من منظومة قابلة للبرمجة.
في هذا السياق، تطرح الرواية نقدًا جذريًا للعلاقة بين الإنسان والعلم، إذ لا يُقدَّم العلم بوصفه أداة تحرر، بل بوصفه سلطة جديدة قد تتحول إلى أداة هيمنة حين تنفصل عن الضمير الأخلاقي. ومع تصاعد هذه الرؤية، تتآكل العلاقات الإنسانية.
كما قدم الأديب والشاعر محمد خضير شهادة إبداعية تناول فيها خصوصية تجربة الكاتبة عنان محروس، وقدرتها على بناء عالم روائي متماسك يجمع بين اللغة الأدبية والرؤية الفكرية،
ومن ورقة الشاعر والروائي محمد خضير:
حينَ ألامِسُ تخومَ السّردِ، فإنَّني لا أبحثُ عن حكايةٍ عابرةٍ، بل أَنشِدُ نبضَ الروحِ القابعَ خلفَ ركامِ الحروفِ وهجيرِ الكلماتِ؛ أُفتّشُ عن نايٍ مهجورٍ في أروقةِ النصِّ... وفي روايةِ "آصف 2050" للروائيةِ عنان محروس، نجدُ أنفسَنا أمامَ نصٍّ لا يُهادِنُ، ينفجرُ كبرقٍ في ليلِ الوجعِ الإنسانيِّ؛ ليضعَنا وجهًا لوجهٍ أمامَ حصادِ قرنٍ من الزمانِ وقعتْ فيهِ الروحُ في مِصيدةِ الآلةِ، وأضاعَ فيهِ الإنسانُ بوصلةَ السّماءِ في زحامِ المادةِ وطغيانِ التكنولوجيا.
وتفتتحُ الروائيةُ عنان محروس معمارَها السرديَّ بضربةٍ قاسيةٍ تقطعُ أنفاسَ القارئِ، حيثُ تقذفُ بنا في أتونِ النتيجةِ الصارخةِ قبلَ أنْ تكشفَ لنا ستارَ المقدماتِ! نرى "آصف" في عامِ 2050، لا كبروفيسورٍ وعالمٍ مرموقٍ يُشارُ إليهِ بالبنانِ في المحافلِ الدوليةِ، بل كحطامِ إنسانٍ منبوذٍ يقتاتُ الوجعَ في كهفٍ صخريٍّ بغيضٍ.
حاولتُ من خلالِ هذهِ القراءةَ الطوافَ في غَورِ هذا العملِ الأنيق، ليظلَّ "آصِفُ" عبرةً لكلِّ مَنْ ظنَّ أنَّ العقلَ التقْنِيَّ وحدَهُ يكفي لبناءِ الحياةِ! إنَّ الحقيقةَ، كما تعلّمَ آصِفُ في كهفِهِ، لا تُدرَكُ إلا حينَ نتخلصُ من ظلالِ "الأنا" الجاثمةِ فوقَ صدورِنا، ونُحرّرَ الروحَ من مِصيدتِها، ونفتحُ نوافذَ الفطرةِ من جديدٍ، فنبصرَ ما لا تراهُ العيونُ، ونسمعَ ما لا تنطقُ بهِ الشفاهُ.
فيما استعرض الطبيب الروائي أحمد السالم رؤية علمية للرواية، متوقفاً عند التقاطعات بين الأدب والعلم، وكيفية توظيف الخيال المستقبلي داخل العمل الروائي.مستشهدا بطبيب الأعصاب النمساوي الذي بحث عن تضاريس الذهن والوعي الإنساني، وقسّم الأنا مابين العليا والسفلى وهذا ما اتصف به آصف
وأدار الحفل الشاعر شفيق العطاونة بأسلوب ثقافي رصين أضفى على الأمسية طابعاً من الحيوية والتناغم، وسط تفاعل كبير من الحضور الذين تابعوا فقرات الحفل باهتمام واضح.
و قدمت دار دجلة ناشرون وموزعون ممثلة بمديرها العام الاستاذ محمد الوحش التهاني والتبريكات للروائية عنان محروس بمناسبة حفل اشهار روايتها
وفي لفتة تقديرية تعبّر عن الامتنان والعرفان، قامت الروائية عنان محروس بتقديم درع تذكاري لسعادة مدير مركز الحسين الثقافي الأستاذ أيمن خليفات، تقديراً لجهوده في دعم الحركة الثقافية واحتضان الفعاليات الأدبية والفكرية.
كما كرّمت الروائية المشاركين في حفل التوقيع بدروع تذكارية، تعبيراً عن شكرها وامتنانها لما قدموه من قراءات نقدية وشهادات معرفية أثرت الأمسية وأسهمت في نجاحها.
ومن جانب آخر، قدم رؤساء المنتديات الثقافية، وعلى رأسهم رئيس منتدى البيت العربي الثقافي الأستاذ صالح الجعافرة، ونائبة رئيس المنتدى الأديبة ميرنا حتقوة، درعاً تذكارياً للروائية عنان محروس، تخليداً لهذه المناسبة الثقافية واحتفاءً بمنجزها الروائي الجديد.
واختتمت الأمسية بتوقيع الرواية للحضور، وسط أجواء احتفالية وثقافية عكست حالة الحراك الأدبي الذي يشهده المشهد الثقافي الأردني، والتفاف المثقفين حول الإبداع الجاد والنتاج الروائي المعاصر.

