وزير التربية والتعليم يرعى انطلاقة مبنى «BTEC» في أكاديمية الاتفاق الدولية   |   يقترب من 2000 مشارك… 1600 مسجل حتى تاريخه واكتمال الاستعدادات في الأردن لاستضافة GAIF 35    |   Orange Jordan Crowns Abdelhakeem Darawsheh Champion of the 2nd Edition of the Orange EA SPORTS FC™ 26 Tournament   |   التمويل الأصغر في الأردن   |   مجموعة المطار الدولي تستقبل أكثر من 950 ألف مسافر في مطار الملكة علياء الدولي خلال شهر تموز 2026   |   مجلة مال واعمال تحتفي بعيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله   |   ثمان دقائق في الخليل   |   البنك العربي يدعم حملة "العودة إلى المدارس" بالتعاون مع مؤسسة ولي العهد     |   طلال أبوغزاله: المعرفة أساس التطور.. والجمعية تبدأ التدريب على المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية 18   |   زين شريك الاتصالات الحصري لـ 《مسيرتنا صحة وتراث》 لجمعية 《همّتنا صحة》 في البترا   |   سماوي: نجاح “مهرجان الفحيص” رسالة بأن الأردن موطن الفرح والحياة   |   أَينَ المَلِكْ؟!   |   مديرية حماية البيئة في الزرقاء تطلق حملة نظافة وطنية بمشاركة رسمية وشبابية واسعة   |   《طعام يصل وأثر يبقى》.. أكثر من 20 ألف وجبة تصل إلى غزة ضمن حملة وقف ثريد   |   بيان صادر عن مجموعة المطار الدولي   |   بنك الأردن الراعي الرسمي والحصري لكأس الأردن للشباب 2026   |   زين تطلق عروض 《العودة إلى المدارس》 عبر متجرها الإلكتروني (Zain eShop)   |   الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية والمجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا يوقّعان اتفاقية لإعداد خريطة استثمارية لمحافظة الطفيلة     |   لجان مجلس الأعمال الأردني السعودي القطاعية توصي بتعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين   |   أسرة جامعة عمان الأهلية تهنىء بعيد ميلاد جلالة الملكة رانيا المعظمة   |  

جلجامش الأردني .. الإستقلال الذي يُمارس ويُحتفل به


جلجامش الأردني .. الإستقلال الذي يُمارس ويُحتفل به
الكاتب - الدكتور منذر جرادات

جلجامش الأردني .. الإستقلال الذي يُمارس ويُحتفل به

الدكتور منذر جرادات

المختص في الإعلام والفكر السياسي

[email protected]

في الذكرى التاسعة والسبعين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية ،لا يبدو تمر هذه الذكرى مجرد لحظة احتفالية تعود إلى عام 1946، بل أننا نتوقف عند هذا اليوم كمسار متجدد يفرض نفسه لصياغة الذات الوطنية، ويدفعنا للشعور بالمسؤولية المتواصلة لاختبار معنى السيادة في زمن التحولات السريعة؛ فالاستقلال ليس الخروج من عباءة الانتداب فقط وإنما يمثل قدرة الدولة على صيانة قرارها الحر وتحصين هويتها من التآكل ، والتأكيد على ممارسة سياستها وفق معايير ذاتية متجذرة في الوعي لا استجابة لأي ضغوط.

لقد وُلد الأردن في بيئة جيوسياسية مضطربة في عين العاصفة وفي ظروف لا ترجح بقاء الدول فيها، لكنه شق طريقه بتوازن نادر بفضل الله وحكمة من قاد الدولة من ملوك ورجال الوطن الأوفياء وضلوعهم في السياسة العقلانية والجغرافيا المليئة بالتحديات . 

ومنذ تأسيسه الاردن بقي متمسكا بثوابته الواضحه وواعٍ لدوره الحقيقي ، بعيدًا كل البعد عن الانفعال، ورفضه الاصطفاف الأعمى أو المغامرات غير المحسوبة وهو ما يعكس جوهر مدرسة سياسية فريدة من نوعها حافظت على بوصلة الموقف وسط متغيرات قاسية.

وحين نُسقط عدسة الفكر السياسي الرمزي على هذه التجربة نستحضر جلجامش هذا الملك السومري الذي لم ينل خلوده من البطولات القتالية ،بل من رحلته نحو الحكمة حين أدرك أن المجد الحقيقي يبنى على وعي الإنسان وحدود السلطة وعلى ما يتركه من أثر في مدينته التي تستمر بالحكمة و بالعقل، لا بالقوة.

 وهكذا بدا الأردن في رحلته السياسية؛ إذ لم يستند في بقائه على ثقل مادي بل إلى إرادة واعية تدير التوازن وتحمي الثوابت وتبني الجسور لا الجدران في مقاربة مستقرة بين الواقعية والمبدأ بين الاستقلال السياسي والاستقلال الأخلاقي.

فمنذ الملك المؤسس إلى جلالة الملك عبدالله الثاني تم الحفاظ على خيط ناظم في فلسفة الحكم يقوم على حماية الدولة من الداخل والتموضع الذكي في الخارج ، وعلى أن الكرامة هي جزء لا يتجزأ من الاستقلال، ولا عن القدرة على قول "لا" في اللحظة التي يكون فيها الصمت شكلا من أشكال التفريط ولنا شواهد في كل المحطات التي مر بها الاردن كان يتصرف بوصفه دولة لها شخصيتها وليست مجرد تابع في معادلات إقليمية مضطربة.

ولأن كل دولة تُعرف بثوابتها، فإن الأردن لم يتخلى يومًا عن قناعته بأن القضية الفلسطينية ليست قضية مجاورة بل قضية وطنية ومن ثوابت الدولة الأردنية، التي لا تخضع لإعادة التقييم أو المقايضة بل ركن من أركان التوازن الداخلي والسيادة وجزء أصيل من فلسفة الموقف لا من ضرورات الخطاب السياسي الموسمي.

هذه المدرسة السياسية التي صنعها الأردن ليست وصفة جاهزة لكنها تشبه الرحلة التي خاضها جلجامش نحو إدراك المعنى حيث يصبح الاستقلال الحقيقي فعلًا يمارس، لا شعارات في زمن يغيب فيه الخط الفاصل بين الهوية والمصالح العابرة،إذ يثبت الأردن مرة تلو الأخرى لاختياره الطريق الأصعب؛ طريق الدولة الأخلاقية المتزنة التي تحافظ على نفسها دون أن تفقد معناها، والتي تعرف أن السيادة ليست في اليافطات ولا في الكلمات الكبيرة بين الحان الأغاني، بل في المواقف المتزنة وفي الشجاعة الهادئة وفي البقاء الكريم وفي وجدان كل وطني حر، ولهذا فإن الاستقلال الأردني هو أحد القلائل الذين يُحتفل به… ويُمارَس في آنٍ واحد.