السردية السياسية للرئيس دونالد ترمب
السردية السياسية للرئيس دونالد ترمب
مهنا نافع
هو من عشاق الظهور على جميع الوسائل سواء كانت وسائل إعلامية رسمية أو وسائل تواصل إجتماعية، ولديه رغبة جامحة لتصدر جميع العناوين وبالتالي الاستحواذ على اهتمام الجميع، نعم هو الرئيس السابع والأربعون للولايات المتحدة الامريكية، ولكن لا أحد ممن سبقه سار على نهجه المُحير غير المتوقع، فقد كنا بالسابق نفهم تماما الخطوط العامة للسياسة الخارجية الامريكية، ولا ندخل بحوار أو جدل عن أي تغيير جذري بأي من مساراتها، وخاصة بعد تغير أي من قاطني البيت الأبيض مكان إقامة وإدارة رؤساءها، ولكن منذ بداية الفترة الثانية لادارته منذ عامين تغير كل شئ، فمن مدة لمدة يفاجئ العالم بإطلاق تصريح بعيدا عن كل التوقعات، وكأنه تمهيد لحدث هام ليتبعه بقرار تنفيذي، ثم ما يلبث بعد ايام بإدلاء تصريح جديد بعيدا كل البعد عن تحليلات وتوقعات المراقبين.
أول ما كان له ذلك الوقع الذي أثار ذهول الساسة والعامة كان تصريحه عن رغبته لضم كندا لبلده، ثم صرح عن نيته الاستحواذ على جرينلاند وتمنى من الدنمارك أن لا تصعب أمر ذلك عليه، ومن ثم تحدث عن رغبته بالسيطرة على قناة بنما واسترسل بذكر التضحيات التي قدمت بالماضي لإنجازها، وحذر من السيطرة الحالية المتنامية للصين عليها، وتباعا قام بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ وذكر أن الصين هي الملوث الأكبر للبيئة فلماذا على الشركات الأمريكية وحدها الالتزام بالمعايير المتفق عليها بتلك الاتفاقية وبالتالي زيادة تكلفة الإنتاج عليها، رغم أن اتفاقية باريس للمناخ هي مصلحة محلية لكل دولة من دول العالم، وكذلك أوقف كل المساهمات المالية لمنظمة الصحة العالمية واتهمها بالتقصير بإدارة جائحة الكوفيد السابقة، وعمل على (تعليق) المساعدات المالية لمدة تسعين يوما لأغلب الدول على أن يعاد تقييم الاستمرار بجدواها حسب مصالح بلده، وأخيرا ما تم تطبيقه بفرض رسوم جمركية وبنسب مختلفة على الاستيرادات من الثلاث دول التي سأتطرق لذكرها، وسيبقى كل ما صرح به وما وقعه من أوامر تنفيذية والتي هي الوسيلة لتحقيق سياسته مباشرة دون الرجوع إلى الكونغرس هي بمكانة رسائل مبطنة وبالونات اختبار وإن بدت لنا متناقضة فإن لها مآرب أخرى ستفهم جميعها لاحقا.
ببداية يوم السبت الموافق للأول من شهر شباط من عام 2025 تم تطبيق الأمر التنفيذي الموقع من قبله برفع نسبة الرسوم الجمركية على ما يستورد من هذه الثلاث دول، الصين بواقع 10 % وكندا والمكسيك بواقع 25 % وكان تصريحه بخصوص الصين التي حظيت بالنسبة الأقل من الرسوم أن ذلك لدفعها لتقليل تلك الفجوة الناتجة عن التبادل بالميزان التجاري التي تزيد عن 250 مليار دولار وذلك برفع استيراداتها من الولايات المتحدة، رغم أن هذا الفرق فرض نفسه بحكم الأسعار المنافسة لصادراتها لا على الولايات المتحدة فقط بل على العالم كله.
بالطبع يتوقع من نتائج رفع نسبة الرسوم الجمركية زيادة الواردات للخزانة ومن ثم تنفيذ الوعود التي صرحها سابقا، ولكن بالحقيقة على الصعيد الداخلي فإن الذي سيدفع محصلة الارتفاع بهذه النسبة هو المستهلك، فالأسعار حتما سترتفع تماما على قدرها وبذلك سيتم رفد الخزانة دون التعرض لأي انتقاد بسبب فرض أي نوع من الضرائب المباشرة على المواطن، أما على الصعيد الخارجي بالنسبة للصين فهي رسالة للتوقف عن أي استفزازات لتايوان والعمل على استقرار واقع الحال الجيوسياسي بمنطقتها دون أي توتر وبالطبع تضييق الفرق بالميزان التجاري ومن المؤكد أن الصين ستأخذ بعين الاعتبار كل ذلك وخاصة أن النسبة التي تمت على صادراتها أقل ب 15 % عن نسبة صادرات كندا والمكسيك وبالتالي هذا سيعطيها ميزة أفضل لها للمنافسة وربما ستكون منتجاتها البديل الأوفر للمستهلك، عدا عن ذلك سوف يجنبها ذلك زيادة ليست بقليلة على مجمل تكاليف سلاسل توريدها إن تمت السيطرة بالفعل على قناة بنما حسب تصريحه السابق.
أما بالنسبة لكندا التي هي على الخط الحدودي الأطول مع الولايات المتحدة والذي يصل إلى 8.893 كيلومترا فالهدف من كل ذلك بسط النفوذ على شمالها باتجاه القطب المتجمد الشمالي والتوجه نحو منافذ بحر الشمال الذي لا يقع حتى الآن تحت سيطرة الولايات المتحدة.
وبخصوص المكسيك التي وجدت حصة جيدة لصادراتها للولايات المتحدة ببعض الصناعات من المركبات والأجهزة الكهربائية مثل الثلاجات وأنواع مختلفة من المنتجات الزراعية خاصة الفواكه وذلك بسبب تفوقها برخص اليد العاملة لديها وعضويتها باتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية التي أصبحت الآن بوضع يشوبه الكثير من الضبابية، فإن رفع النسبة العالية على صادراتها هو رسالة لها كانت لأحكام السيطرة على حدودها، وعدم التغاضي عن تسرب مواطنيها عبر الحدود لتوفير المزيد من الحوالات الأجنبية لاقتصادها، ولتخفيض نسبة البطالة لديها.
وأما عن للقارة الأوروبية التي يتجاوز عدد سكانها اربعمائه وخمسين مليون نسمة، وتستطيع الاكتفاء بتصريف صناعاتها داخل أسوقها، فمعضلتها أمنية، وتحكمها قدرات حلف الناتو وعلاقتها المتوترة مع الدولة الروسية، فكانت الرسالة من الرئيس ترامب توقفوا عن استخدام الغاز الروسي، ونحن سنوفر لكم الغاز المسال، وكذلك النفط، وستبقون إن داومتم على ذلك البقاء بأفضل حال.
أما بالنسبة لتصريحاته للاستحواذ على جزيرة جرينلاند، فقد كان للتغير المناخي السبب الأول للفت نظر العالم إليها، فبعد مدار السنين تأتي نتائج هذا التغير لتسهيل الملاحة بالممرات الشمالية الثلاث للشحن التجاري ليجعلها الخبر الأول بمطالعات أغلب وسائل الأخبار اليومية، فهي اليوم مصدر اهتمام الدول الكبرى سواء القريبة أو البعيدة عنها، فمن ممر الملاحة الشمالي الشرقي الذي يوازي السواحل القطبية الروسية إلى ممر الملاحة الغربي الذي يقع بمحاذاة الساحل الشمالي الكندي إلى طريق القطب الشمالي، كلها طرق كانت الملاحة من خلالها بمنتهى الخطورة، ومحدودة بأوقات زمنية قصيرة، إلا أنه مع تأثير التغير المناخي بتقليل نسبة تجمد مياهها وتطور صناعة ناقلات الشحن البحرية وكاسحات الجليد أصبحت الملاحة من خلال هذه الطرق أقل صعوبة وبالطبع أكثر جدوى لما تختصره من الوقت والتكاليف، وقد يأتي الوقت الذي ستغير هذه الطرق الأوضاع الاقتصادية للعديد من الدول.
وكذلك بسبب هذا التغير المناخي وأثره على ذوبان القمم الثلجية وانحسار الجليد ببعض المناطق بجرينلاند سهل ذلك الوصول لأماكن التنقيب عن الثلاث الأكثر أهمية لدول العالم، وسبب أغلب النزاعات بينهم ألا وهم المعادن النادرة والغاز والنفط، فإحدى الشركات الرائدة بهذا المجال تذكر أن أكثر من أربعين من المعادن ذات الأهمية الكبرى للصناعات الحديثة موجودة، وبوفرة بباطن هذه الجزيرة التي أصبحت كما ذكرت محط اهتمام الجميع، ولا بد من ذكر أهمية هذه الجزيرة كموقع لإدارة الأقمار الصناعية بالمدارات القطبية، والتي توفر المسح الراداري الاستخباري بهدف توفير الإنذار المبكر لأي اعتداء صاروخي محتمل، وكذلك يوفر موقعها أهمية بالغة للعديد من مراكز الأبحاث والدراسات العلمية.
لتأتي بعد ذلك ما أخذ الجزء الأكبر من اهتماماته الحرب على إيران، والتي لليوم تفتقر لأي استراتيجة واضحة أو حتى عنوان لها، فما زال يصرح عنها بأنها عملية عسكرية رغم تجاوزها هذا المفهوم، ولا بد من ذكر ما تم مؤخرا من موقفه من الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا وظهور بادرة محيرة تجاه الدولة الروسية، وذلك بقراره المفاجئ استيراد الديزل منها رغم ما سبق فرضه من عقوبات عليها، ومما يناقض تماما دعوته السابقة لأوروبا لمقاطعة استيراد الغاز الروسي وتعهد الولايات المتحدة تزويده لها، وقد جاء ذلك كمحاولة منه لخفض التكاليف المعيشية على المواطن الأمريكي، تماما قبل الانتخابات النصفية للكونغرس.
إن أغلب ما سبق ذكره كان له إما شكل مباشر وآني أو شكل تراكمي وتدريجي على المواطن الأمريكي بسبب تراجع القيمة الشرائية للدولار، وهذا هو بيت القصيد، فالمواطن الأمريكي غير مستعد لدفع ثمن أخطاء الرؤساء السابقين للرئيس ترمب التي أدت لتراجع الصناعات الأمريكية، لا وبل هجرتها للخارج ليحل المنتج الصيني وغيره مكانها، وللأسف لم يدرك الرئيس ترمب أن عودة القوة الصناعية الأمريكية كسابق عهدها والذي كان يعتبر الهدف الرئيس الذي تدور حوله كامل سرديته السياسية (وهو لا يمكن اعتباره حسب المفهوم العام الظاهر له إلا هدفا رياديا) أن لا يمكن تحقيقه إلا بعد قرابة العقد من الزمن، وأما التسرع، وعدم التدرج، وعدم الالتفات داخليا لقدرات المواطن الشرائية، وعدم الاكتراث خارجيا للعلاقات الدولية، كل ذلك سيحول دون تنفيذ هذا الهدف المحور العام كما ذكرت للسردية الخاصة لسياسته، فهو يحتاج الى ترو وأي تغيير دراماتيكي سيكون له عواقب وخيمه، وخاصة بالنظم الرأسمالية، فكل معادلة لها وقت وأسلوب، والأهم من ذلك جهود مضنية لتنفيذها، وهو كان يظن أن توقيعه على الأوامر التنفيذية حتما سيسرع من تحقيق رؤيته الاقتصادية، ولكن لن ولم يتم ذلك بتلك السرعة، والأمر الأهم أن الطرف الآخر من الدول التي صدمت بالبداية من تلك القرارات التنفيذية قامت برد الصاع، وقررت رفع الرسوم على ما يصدر للولايات المتحدة من مواد خام، وكذلك على ما يستورد منها، والأمر الذي زاد الطين بلة المقاطعات الشعبية لمنتجاتها بسبب ما صدر من تصريحات مست الكرامة الوطنية للعديد من الدول.
وأخيرا، وبعد هذا الاجتياح للحزب الديمقراطي فكل شيء بعد قرابة الشهرين سيبدو مختلفا، وكل السرد السابق الذي قدمته لك عزيزي القارئ سيجعلك تدرك تماما أسباب هذا الاجتياح الذي فاق توقعات المراقبين، وسيكون عنوان تلك المرحلة القادمة بالكونغرس الأمريكي (موافقتي مقابل موافقتك) فلن يتم الموافقة على أي قرار إلا بعد الموافقة على قرار آخر مقابلة، وأي خروج عن ذلك سيكون له عواقب سيئة على الشأن الداخلي، فالجمهوريون لن يستطيعوا تمرير أي من تشريعاتهم أو أي قرار يناسب توجهاتهم لخسارتهم الأغلبية بالكونغرس بشقيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وكذلك الديمقراطيون لن يستطيعوا تمرير أي من ذلك كونهم لا يمتلكون الثلثين بمجلس الشيوخ الذي يؤهلهم لتحييد (فيتو) الرئيس، وأيضا سيلعب الجمهوريون على وتر المماطلة لتأخير أي تشريع، وبالمحصلة إن تجاوز ذلك سيأتي الاعتراض (الفيتو) الذي يمتلكه الرئيس ليوقف كل شيء، وهذا ما قد يؤدي إلى نفس الحالات السابقة للإغلاق الحكومي بسبب عدم إقرار الميزانيات، ولكن سيبقى بيد الديمقراطيين عدة أوراق منها أن يكونوا هم الصوت المعطل لكل التشريعات التي تتماهى مع رؤية الرئيس ترمب، والتي كانت توجه من خلال قراراته التنفيذية، وسيسعون لتعطيل ما سبق منها من خلال تحويل نصوصها للقضاء، وكذلك ستبدأ التحقيقات التي تتداخل بأغلب شؤون طاقمه الإداري، وبالتالي بدء استدعاء كبار المسؤولين حوله، وكذلك سيعملون على تعطيل أغلب قرارت الرئيس المتعلقة بتعيين القضاة الفيدراليين والسفراء، ومن المتوقع أن يتم التوافق بين الأعضاء الجمهوريون والديمقراطيون ببعض التشريعات التي لا اختلاف بوجهات النظر عن كونها للصالح العام وذلك خوفا من تراجع شعبيتهم.
وتبقى المخاوف لدى الجميع من استغلال مدة الشهرين الانتقالية قبل استلام أعضاء مجلسي النواب والشيوخ مقاعدهم بتاريخ الثالث من كانون الثاني من العام القادم، لتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران تفوق كل التوقعات بقوتها وتبعاتها، آمل أن تنتصر الدبلوماسية لتجنب كل ذلك.
وكما ذكرت بمقدمة هذه السردية أن لا أحد يمكن أن يجزم ما القادم من قراراته، ولكن الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينجح الجميع اليوم توقعه أن ما عهدناه عن الرئيس ترمب بالعامين السابقين بمدة رئاسته لن يستمر أبدا بالنصف الثاني منها، فلن يمر أي قرار أو تشريع، أو حتى أي توجه إلا من خلال التوافقات والتفاهمات بين الرؤية العامة للحزبين الديمقراطي والجمهوري، وكل ذلك سيحول دون تنفيذ المحور العام المعلن الذي تدور حوله كامل السردية الخاصة لسياسته بعودة الصناعات الامريكية لسابق عهدها، فهل سيجد سبيلا لتنفيذ شيء ولو وجيزا منه بعد خسارة حزبه غالبية المقاعد بالكونغرس كنواب وشيوخ؟ أم من خلال قوة الفيتو التي يمتلكها وأكد على استخدامها من خلال اللقب الذي أطلقه على نفسه السيد فيتو (Mr.Veto) سيستطيع إكمال هذه السردية السياسية وتحقيق هدفها؟
مهنا نافع

