يوماً أو بعض يوم
يوماً أو بعض يوم
الموضوع: كل عام وأنت بخير
بسم الله الرحمن الرحيم
في كل مرة ينظر فيها الإنسان إلى الساعة، يظن أنه يقيس الزمن.
يراقب العقارب وهي تدور، ويحسب الدقائق والساعات والأيام، لكنه لا ينتبه دائمًا إلى حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن كل ثانية تمر لا تزيد من عمره، بل تنقص منه ثانية لن تعود.
ومنذ أن وعى الإنسان وجوده، وهو يحاول فهم هذا الكائن الغامض الذي نسميه الزمن. يقيسه بالشمس والقمر، ثم بالساعات والتقاويم، ويبني عليه أحلامه وخططه وذكرياته، لكنه ما زال عاجزًا عن الإجابة عن سؤال بسيط:
هل الأيام تأتي أم تذهب؟
يحتفل الإنسان بعيد ميلاده لأنه جاء إلى هذا العالم في مثل هذا اليوم. يجتمع الأحبة، تُشعل الشموع، وتُلتقط الصور، ويتلقى التهاني بعبارة بسيطة نرددها جميعًا:
كل عام وأنت بخير.
لكن من زاوية أخرى، فإن كل عام يمر لا يضيف إلى حياته عامًا فقط، بل يأخذ معه عامًا لن يعود أبدًا. وربما لا يكون عيد الميلاد احتفالًا بما مضى أو خوفًا مما بقي، بل تذكيرًا بأن هذا اليوم قد يكون أول يوم فيما تبقى له من الحياة.
المفارقة أن الإنسان يعرف قيمة المال أكثر مما يعرف قيمة الوقت. يحرس أمواله، ويتابع حساباته، ويشعر بالخسارة إذا فقد جزءًا منها، لكنه قد يبدد ساعات طويلة من عمره دون أن يشعر أنه خسر شيئًا. مع أن المال إذا ضاع قد يعود، أما الوقت فلا يعود أبدًا. يستطيع الإنسان أن يشتري بيتًا أو سيارة أو هاتفًا جديدًا، وقد يشتري كل شيء تقريبًا، إلا شيئًا واحدًا:
الوقت.
وفي عصرنا الحديث، أصبح الإنسان يحمل أكثر من هاتف، وأكثر من رقم، وعشرات التطبيقات ومئات الإشعارات. يعرف ما يحدث في أقصى الأرض خلال ثوانٍ، لكنه قد لا يجد دقيقة واحدة ليسأل نفسه إلى أين يمضي. مشغول دائمًا، متصل دائمًا، يركض دائمًا، حتى أصبح يعرف ما يحدث في العالم أكثر مما يعرف ما يحدث في داخله. وكأن المشكلة الكبرى في حياته هي أن يفوته خبر أو رسالة، بينما قد يفوته عمر كامل دون أن ينتبه.
ويظل الإنسان يظن أن أمامه متسعًا من الوقت. يؤجل بعض أحلامه إلى الغد، وبعض توبته إلى الشهر القادم، وبعض كلماته الجميلة إلى فرصة أخرى، وكأنه يملك وعدًا خفيًا بأن الطريق ما زال طويلًا. لكنه ينسى أن الزمن لا يوقع العقود مع أحد، وأن ما مضى منه لا يعود مهما تمنى الإنسان ذلك.
يقول الله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
ساعة لا تؤجل، ولا تشترى، ولا يستعيرها أحد. ساعة إذا جاءت انتهت المواعيد كلها، وسقطت الأعذار كلها، ولم يبق للإنسان إلا ما قدّمه في الزمن الذي مُنح له.
ثم تأتي النصوص لتضع أمامنا صورة مختلفة تمامًا عن الزمن. صورة تجعل الإنسان يعيد النظر في كل ما اعتاد عليه. يقول الله تعالى:
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
ويقول:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾
ويقول:
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾
يوم… أو بعض يوم.
ساعة.
عشية أو ضحاها.
كأن العمر الذي بدا طويلًا من الداخل، يبدو قصيرًا جدًا عند النظر إليه من الخارج.
ولعل الإنسان يختبر شيئًا من ذلك كل ليلة. ينام ساعات طويلة ثم يستيقظ وكأنها لحظة. يرى في حلمه أحداثًا تمتد لسنوات بينما لم تمر في الواقع إلا دقائق. ويقرأ قصة أصحاب الكهف الذين لبثوا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم قالوا عندما استيقظوا:
﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
ثلاثمائة وتسع سنوات في حساب البشر، ويوم واحد في شعور أصحابها.
ثم تأتي لحظة أخرى أكثر عمقًا. لحظة يتحدث عنها القرآن بقوله:
﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
كأن المشكلة لم تكن يومًا في قلة العلامات أو نقص الأدلة، بل في الغطاء الذي كان يحجب الرؤية. وحين يسقط الغطاء، يرى الإنسان الأشياء كما هي، ويرى الزمن كما هو، ويرى نفسه كما هي.
وعندها فقط نفهم لماذا لا يطلب الإنسان في تلك اللحظة مالًا ولا منصبًا ولا شهرة. بل يقول:
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾
إنه يطلب شيئًا واحدًا فقط:
وقتًا إضافيًا.
دقيقة أخرى.
فرصة أخرى.
لأنه يكتشف متأخرًا أن أثمن ما كان يملكه لم يكن ما جمعه في حياته، بل الحياة نفسها.
وربما أمضى الإنسان عمره كله وهو يعدّ الأيام، ويحتفل بالسنوات، ويطارد الساعات، ثم يكتشف في النهاية أن الأيام لم تكن هي التي تمر، بل كان هو الذي يمر خلالها.
وعندما ينظر إلى العمر من الضفة الأخرى للزمن، لا يرى العقود التي أحصاها، ولا السنوات التي احتفل بها، ولا الأيام التي كان يؤجل إليها كل شيء، بل يرى رحلة كاملة اختصرت في لحظة.
وعندها فقط يدرك أن السؤال لم يكن يومًا:
كم سنة عشت؟
بل:
ماذا فعلت بالسنوات التي مُنحت لك؟
فالعمر الذي أمضيناه في القلق، والفرح، والركض، والانتظار، وجمع الأشياء، والدفاع عن أفكارنا، والبحث عن أحلامنا، يبدو فجأة أصغر بكثير مما كنا نظن.
وكل تلك السنوات التي بدت طويلة إلى هذا الحد، تنكمش حتى تصبح ذكرى واحدة في قلب صاحبها.
عندها يدرك الإنسان أن أغلى ما كان يملكه لم يكن المال ولا المنصب ولا الشهرة، بل الوقت الذي كان يمر بين يديه بصمت.
الوقت الذي كان يظنه كثيرًا…
ثم اكتشف أنه لم يكن يملك غيره.
وأن العمر الذي بدا طويلًا إلى هذا الحد، لم يكن في ميزان الحقيقة إلا…
﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
د. نهاد الجنيدي

