حسان حمدي منكو في ذمة الله   |   قرب افتتاح نادي الأرينا الصيفي 2026 في عمان الأهلية   |   Functional Rehabilitation of the Near Vision System in Presbyopia   |   إعلان هروب ترامب   |   وزارة الثقافة تعلن برنامج مهرجان صيف الأردن 2026 في دورته السادسة    |   من إنتاج وزارة الثقافة الفنان عيسى السقار يطلق أغنية 《شرق وغرب 》دعماً للمنتخب الوطني   |   العمري: نستقبل العام الهجري الجديد بروح الأمل والإنجاز    |   شركة ميناء حاويات العقبة تنفذ سلسلة من النشاطات البيئية والمجتمعية ضمن نسخة 2026 من مبادرة 《الأسبوع الأخضر Go Green   |   %80 في الأردن يستخدمون الذكاء الاصطناعي للتسوق مع بقاء الثقة عاملاً حاسماً عند الدفع حسب دراسة لفيزا   |   زين تطلق بالتعاون مع beIN عروضاً لمتابعة بطولة كأس العالم TMFIFA 2026    |   افتتاح محطة أبوغزاله المعرفية في مبرة أم الحسين برعاية سمو الأميرة بسمة بنت طلال   |   بيان صادر عن حزب الميثاق الوطني   |    ريم بلبيسي تنضم إلى اللجنة الاستشارية للمجلس العالمي للنساء القياديات   |   حفل اشهار كتاب«شظايا حرير» في المركز الثقافي الملكي    |   Orange Jordan & MetLife Partner to Offer Insurance Services via Orange Money   |   يتسع لـ 46 ألف متفرج... بدء أعمال الحفر لأكبر ستاد في الأردن على مساحة الف دونم   |   إسرائيل تشن غارات عنيفة على ضاحية بيروت الجنوبية.. ونتنياهو: لن نتسامح   |   رئيس أرض الصومال يصل إسرائيل.. ويستعد لافتتاح سفارة في القدس   |   أبوغزاله العالمية الرقمية تستعرض رؤيتها للذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني في منتدى قازان2026   |   جامعة فيلادلفيا تختتم برامج متخصصة في المهارات الرقمية بالتعاون مع 《دوت الأردن》   |  

الحقيقة الإنسانية والواقع اليومي والرمزية اللغوية


الحقيقة الإنسانية والواقع اليومي والرمزية اللغوية
الكاتب - ابراهيم ابو عواد

الحقيقة الإنسانية والواقع اليومي والرمزية اللغوية

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

1

    البناءُ الاجتماعي لَيْسَ كِيَانًا وهميًّا يُفْرِز علاقاتٍ اجتماعيةً ميكانيكية ، ويُنتج أنساقًا ثقافيةً جامدةً تَقُوم على الوَعْي الزائف، إنَّ البناءَ الاجتماعي هو الحاضنةُ الشرعية لِوُجُودِ المُجتمع معنويًّا وماديًّا، والمرجعيةُ الفكريةُ القادرةُ على إعادةِ أحلام الفرد إلى الحياة ، وتشكيلِ الهُوِيَّة الفَردية والجَمَاعية التي لا تَكْتفي بذاتها ، بَلْ تَسْعَى إلى التواصلِ معَ مَصادر المعرفة التي تُحَدِّد أبعادَ سُلطة المُجتمع ، والتفاعلِ معَ التجارب الحياتية التي تُحَدِّد معالمَ شخصيةِ الفرد . وإذا كانت مَصادرُ المعرفةِ تَتَأسَّس على عَقْلانِيَّةِ الواقعِ اليَومي ، فإنَّ التجارب الحياتية تَتَأسَّس على رمزيةِ الدَّلالات اللغوية . وهذا التَّشَابُكُ المعرفي مع الواقعِ واللغةِ يَحْمِي العقلَ الجَمْعِيَّ مِن العَيْشِ خارج التاريخ ، ويَحْمِي التاريخَ مِن العَيْشِ خارجَ فلسفة الوَعْي . والوَعْيُ إذا اتَّصَفَ بالحَيَاةِ ، والحَيَوِيَّةِ ، والحُرِّيةِ في ذاته ، والتَّحَرُّرِ مِن عناصرِ المنظومة الاستهلاكية المُحيطة به ، سَيَتَحَوَّل إلى رافعة لفلسفة اللغة ، لأنَّ اللغةَ تَستمد وُجودَها مِن الوَعْيِ لا الغَيبوبةِ المَعرفية ، وتَكتسب شرعيتها مِن الخَلاصِ التاريخي لا الهُرُوبِ مِن الزمن .

2

    مَركزيةُ اللغةِ في البناء الاجتماعي ذات طبيعة عابرة للزَّمَنِ ، وغَير خاضعة للتَّجنيس المَكَاني ، لأنَّ اللغةَ تَدَفُّقٌ مَعرفي مُستمر أُفقيًّا وعَمُوديًّا ، وانفجارٌ رَمزي مُتواصل على صعيدِ الألفاظِ والمَعَاني . وشَبَابُ اللغةِ الدائمُ هو الضَّمانةُ الأكيدة لحماية العلاقات الاجتماعية مِن التَّشَيُّؤ ( تَحَوُّل العلاقات الشخصية بين الأفراد إلى علاقات آلِيَّة بين الأشياء ) . وإذا صارَ الفردُ شيئًا هامشيًّا في المُجتمع ، وعُنْصُرًا مُغترِبًا عن ذاته ومُحيطه ،  فإنَّ الفِعْلَ الاجتماعي سَيَخرج مِن فلسفة التاريخ، ويَتَشَظَّى بَين الأفكارِ الذهنية والإدراكِ الحِسِّي.وهذا التَّشَظِّي شديد الخُطورة ، لأنَّه يُدخِل المُجتمعَ في مَتَاهَةِ رُدُودِ الأفعالِ والمواقفِ الارتجالية ، بلا تخطيط ولا تنظيم . وكُلُّ خَلَلٍ في البناء الاجتماعي هو بالضَّرورة خَلَلٌ في مَنطق اللغة الرَّمزي ، وإذا غابَ اليقينُ عن العلاقات الاجتماعية،فإنَّ شرعية المُجتمع سَتُصبح وَهْمًا مُكَرَّسًا بِفِعْلِ الأمرِ الواقعِ، ومُعتمِدًا على عوامل مَصلحية مُؤقَّتة ، بلا مبادئ عقلانية ذاتية، ولا جُذور تاريخية ضاربة في الأعماق. وكُلُّ شَجرة تعتمد في الثَّبات على غَير جُذورها، سَتَسْقُط معَ هُبُوبِ الرِّياح .

3

    لا مَعنى للوَعْيِ خارج عملية التفاعل النَّقْدِي معَ الأنساق الثقافية التَّحَرُّرِيَّةِ لا الفَوْضَوِيَّةِ ، ولا قيمة للفِكْرِ خارج نطاق الفِعْلِ الاجتماعي القائم على قُوَّةِ المَنطقِ لا مَنطقِ القُوَّة . وَهَذَان المَبْدَآن يُحَدِّدَان طبيعةَ الحقيقةِ الإنسانية القائمة على العقلانيةِ لا الاضطهادِ ، ويُكَوِّنان ماهيَّةَ الواقعِ اليَومي القائم على الاختيار لا الاضطرار ، ويَصنعان هُوِيَّةَ الرمزيةِ اللغوية القائمة على التَّمحيصِ لا التَّقديسِ . وهذا يَعْني أنَّ قواعد البناء الاجتماعي هي : الحقيقة الإنسانية ، والواقع اليَومي ، والرمزية اللغوية . وهذه القواعدُ الثلاث تتبادل الأدوارَ فِيما بَينها ، لأنَّ البناءَ الاجتماعي لَيْسَ كُتْلَةً أسْمَنْتِيَّةً أوْ إطارًا حَجَرِيًّا أوْ شكلًا ثابتًا ، وإنَّما هو بناءٌ وُجودي يَمتاز بالحركةِ والمُرُونةِ والانطلاقِ ، والقُدرةِ على تبديلِ الأنساقِ الثقافية ، والقوالبِ الفِكرية ، والسِّيَاقاتِ الزمنية ، والتجاربِ الحياتية ، وتغييرِ زوايا الرُّؤية للأحداثِ اليوميةِ والوقائعِ التاريخيةِ . وكُلُّ بناءٍ اجتماعيٍّ هو بالضَّرورة بُنيةٌ معرفية ، وسيظلُّ الوَعْيُ عُنصرًا أساسيًّا في تَكوينِ الفِعْل الاجتماعي في البيئة المُعَاشة ، وإعادةِ إنتاج النظام اللغوي لِيَصِيرَ دَليلًا على الحقيقةِ الإنسانيةِ ، ودَلالةً على تَجاوزِ الفرد لذاته في رحلته لاكتشافِ وُجُودِه في المُجتمعِ ، وَوُجُودِ المُجتمعِ في التَّحَوُّلات الحضاريةِ مَحَلِّيًّا وعالميًّا .

4

    الوَعْيُ النَّقْدِيُّ في المُجتمع لَيْسَ نَسَقًا أُحَادِيًّا ، وإنَّما هو شَبَكَةٌ مُعَقَّدَةٌ مِن العلاقاتِ الاجتماعيةِ ، والمعاييرِ العقلانيةِ، والأنساقِ الثقافية.وهذه الشَّبَكَةُ تُؤَسِّس مناهجَ لُغَوِيَّةً قادرة على تفسير الرابطة بين المعرفةِ والمصلحةِ مِن جِهَة ، وبين التاريخِ والسُّلطةِ مِن جِهَة أُخْرَى . وهذا يدلُّ على أنَّ التأويلَ اللغوي هو الحَكَمُ بَين عناصرِ البناء الاجتماعي، والحاكمُ على إفرازاتِ الواقع اليومي، لأنَّ اللغةَ وَحْدَهَا هي القادرة على تخليدِ اللحظة الآنِيَّة، ونَقْلِها عبر مراحل الزمن . وكُلُّ مُجتمعٍ خارج اللغة يُعْتَبَر وَهْمًا لا هُوِيَّة له ولا ماهيَّة ، وكُلُّ واقعٍ خارج اللغة يُعْتَبَر فَرَاغًا لا كِيَان له ولا كَينونة ، مِمَّا يُشير إلى أنَّ اللغةَ هي المَرجعيةُ الوُجوديةُ التي تُقَدِّمُ الحقيقةَ الإنسانيةَ أوْ تَسْلُبُها، والشَّرعيةُ المعرفيةُ التي تُفَسِّر الفِعْلَ الاجتماعي كَنُقطةِ تَوَازُن بين العقلِ الجَمْعِي والسُّلوكِ الأخلاقي.