البدء بتوزيع 60 ألف بطاقة شرائية على "أسر معوزة" بمناسبة عيد ميلاد الملك وقدوم شهر رمضان   |   الأردن يؤكد أن لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة   |   خطط اسرائيلية غير مسبوقة لمواجهة الاختراق عبر الحدود الأردنية.. مدينة ومعسكرات   |   الدكتور زياد الحجاج: نثمّن وعي جماهير الفيصلي وحرصهم على مصلحة النادي   |   جامعة فيلادلفيا تشارك في الملتقى التعليمي الخامس لتعزيز تكامل التعليم الأكاديمي والمهني والتقني*   |   البنك العربي يعلن أسماء الفائزين في حملة حساب 《شباب》   |   اتفاقية تعاون بين طلبات الأردن ومؤسسة الملك الحسين لتوسيع العطاء والمسؤولية المجتمعية   |   العمري: الوفاء والبيعة نهج أردني راسخ ووحدة وطنية متجددة   |   وفد من الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية يزور جامعة فيلادلفيا لبحث توسيع التعاون الأكاديمي والثقافي   |   ‏‏الفحيص... إحلال مدروس واستثمار في جيل واعد بـ 《سلة الشارقة》   |   الحجة نعيمة عبد المهدي الحلاقة في ذمة الله   |   أورنج الأردن ترعى مؤتمر قيادي رائد لدعم وتعزيز بيئات العمل المستدامة   |   زين كاش الراعي البلاتيني لبطولة JUBB للكاليستنكس   |   المخرجات الخمسة الأهم للحوار الوطني حول إصلاحات الضمان   |   عبدالله حمادة يتألق ويضع الأردن على منصة التتويج العالمية في سباقات السيارات   |   الشيخ هشام ريان قطيشات في ذكرى الوفاء والبيعة وتولي السلطات الدستوريه : تجسد وحدة الأردنيين والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية   |   شكر على تعاز   |   الفوسفات الأردنية: أرباح قياسية تعكس قوة الإدارة وتحولات السوق العالمية   |   سيف عوض القضاة مبارك النجاح ..   |   سفيرات جولف السعودية يتصدّرن انطلاقة بطولة السعودية الدولية للسيدات   |  

حين تختل العدالة… تصبح كل الازمات الاخرى تفاصيل


حين تختل العدالة… تصبح كل الازمات الاخرى تفاصيل
الكاتب - مروان التميمي

روان التميمي….

 

 

 

في الاردن، لم تعد المشكلة مسألة سياسات او برامج قابلة للتعديل، بل مسألة ميزان مائل.

 

فالدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بكثرة ما تعلنه من خطط ووعود، بل بمدى شعور الناس ان هذه القوانين تطبق عليهم بالتساوي. وحين يتكرر التناقض بين ما يقال وما يمارس، لا يفشل خطاب الاصلاح فقط، بل تتآكل فكرة الدولة العادلة نفسها في الوعي الجمعي، ويتحول الكلام الرسمي الى لغة منفصلة عن التجربة الحقيقية للمواطن.

 

ما يعيشه الناس اليوم ليس ازمة عابرة ولا خللا مؤقتا، بل نمطا متراكما جعل العدالة تبدو احتمالا لا حقا. نمطا رسخ قناعة صامتة بان القواعد ليست واحدة، وبان القانون يمكن ان يكون صارما في وجه فئة، ومرنا مع فئة اخرى.

 

هذا الشعور لا يحتاج الى اثبات ولا الى امثلة معلنة، لانه يتشكل من التجربة اليومية، من التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصبح بديهية، وحين تصبح بديهية تفقد الدولة احد اهم اسسها المعنوية.

 

اوضح تجليات هذا الخلل يظهر في ملف العمل والتعيين، لا بوصفه قضية تشغيل، بل باعتباره مرآة لغياب العدالة. فالمشهد بات مألوفا: مسارات تفتح بسرعة لابناء مواقع النفوذ، تعيينات تتم بسلاسة، وفرص تحسم دون انتظار طويل، بينما يبقى اخرون، مهما بلغ تحصيلهم او اتسع اختصاصهم، عالقين في دائرة الانتظار، ينتقلون من فرصة هشة الى اخرى، او يخرجون نهائيا من المشهد. هنا لا تكمن المشكلة في ان يعمل شخص او يعين اخر، بل في الرسالة التي ترسخ في وعي المجتمع: ان الطريق ليس واحدا، وان الجهد ليس شرطا حاسما، وان الاستثناء تحول الى ممارسة طبيعية غير معلنة.

 

الاخطر من هذا الواقع ليس التعيين ذاته، بل ما يخلقه من قناعة عامة بان العدالة تخضع للاجتهاد الاجتماعي لا للمبدأ العام. وحين تستقر هذه القناعة، يسقط معنى تكافؤ الفرص مهما تكرر في الخطاب الرسمي.

 

فالناس لا تحاكم الدولة على نواياها، بل على ما تراه في حياتها اليومية، ولا تصدق الشعارات حين تتناقض مع التجربة. عند هذه النقطة، يصبح الحديث عن الاصلاح ادارة لغضب مكتوم لا معالجة حقيقية للازمة.

 

ورغم ذلك، لا تزال الحكومات تتعامل مع هذا الخلل وكأنه ازمة تواصل او سوء فهم، فترد عليه بالمزيد من البيانات والمزيد من الوعود. لكن المشكلة لم تكن يوما في قلة الكلام، بل في غياب الاتساق بين القول والفعل. فالعدالة لا تقنع بالشرح، بل بالممارسة، ولا تستعاد بالخطب، بل بان يشعر المواطن ان الميزان واحد للجميع، وان القاعدة لا تتغير بتغير الاسم او الموقع.

 

حين يغيب هذا الشعور، لا ينفجر المجتمع بالضرورة، بل ينسحب. انسحاب صامت من الثقة، من المشاركة، من الايمان بان المسار العام منصف. وهذا اخطر من الغضب، لان الغضب يرى ويسمع، اما الانسحاب فيحدث بصمت، ويفرغ الدولة من معناها دون ضجيج. المواطن لا يعود معارضا ولا محتجا، بل غير معني، وهذه هي اللحظة التي تبدأ فيها القطيعة النفسية بين الناس والدولة.

 

المشكلة لم تعد في غياب الحلول، بل في غياب الارادة لتطبيق مبدأ بسيط: ان يكون الميزان واحدا. فالدولة التي تسمح بتطبيع الاستثناء، ثم تطلب من مواطنيها الصبر، لا تطلب منهم وقتا اضافيا، بل تطلب منهم التخلي عن احساسهم بالانصاف.

 

وهذا طلب مستحيل. لان الشعور بالعدالة ليس ترفا يمكن تأجيله، بل اساس الاستقرار النفسي والاجتماعي. وحين يفقد المواطن يقينه بان الدولة تقف على المسافة ذاتها من الجميع، لا يعود السؤال لماذا ينهار الامل، بل كيف صمد كل هذا الوقت. فالسكوت الطويل ليس رضا، بل تراكم صامت لحقيقة واحدة: ان العدالة المؤجلة تتحول، عاجلا ام اجلا، الى ازمة لا يقنعها اي خطاب