الخصاونة يكتب: ولي العهد يحتفي بثمار خدمة العلم في تخريج فوجها الأول من الرؤية الى التطبيق وعنوانها الانتماء   |   Jordan Telecommunications Company Continues Strong Performance and Announces Record Profits Distribution of JD 41.25 Million   |   التأمين الاسلامية توزع 15% أرباحاً نقدية على المساهمين   |   السردية الأردنية: معركة الوعي الأخيرة والشباب هم خط الدفاع الأول   |   《سامسونج إلكترونيكس》 المشرق العربي تعلن عن حملة الصيانة المجانية السنوية على أجهزة التكييف المنزلي   |   الخلايلة رئيسًا لكتلة الميثاق الوطني النيابي   |   مؤشر الرقمنة للشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة من النساء ضمن مبادرة 《 She’s Next》   |   أسرع وتعمل في الوقت الحقيقي: Audio Eraser ترتقي بتجربة الاستماع في سلسلة Galaxy S26   |   صوت الأردن عمر العبداللات نجم إفتتاح مهرجان جرش 2026   |   جامعة فيلادلفيا تختتم منافسات 《بطولة الربيع》 الرياضية والفنية لمدارس المملكة   |   المهندس علاء بخيت سلطي فاخوري يشكر قيادة حزب العمال بعد انتخابه عضواً في المجلس المركزي   |   بنك الأردن يواصل دعمه الإنساني للجمعية الأردنية للعون الطبي للفلسطينيين   |   العقبة يحتفي باليوم العالمي للسلامة للعام 2026   |   زين تطلق 《الأكاديمية التنظيمية》 بالشراكة مع GSMA Advance   |   مزيد من الضغوط على سوق العمل الأردني في ضوء التطورات الجيوسياسية في المنطقة   |   مجموعة المطار الدولي تستقبل نحو مليوني مسافر في الربع الأول من عام 2026 عبر مطار الملكة علياء الدولي   |   فيلادلفيا تحصد المركز الثاني في مسابقة التميز المحاسبي للجامعات الأردنية   |   الأردن بعد شرارة الحرب: بين القراءة الاقتصادية والأداء الفعلي   |   Orange Jordan Sponsors 》Arab Future Programmers》 Competition to Elevate Youth Skills   |   ( 600 ) مليون دينار اشتراكات مُقدّرة ضائعة على مؤسسة الضمان سنوياً   |  

《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》


《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》
الكاتب - دعاء مأمون

《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》

المسرح، حين يفقد جرأته الأخلاقية، يتحول من فعل كشف إلى طقس تزييني، ومن ساحة مساءلة إلى منصة تبرير. ليس كل ما يُعرض على الخشبة فعلًا مسرحيًا بالمعنى العميق؛ فالمسرح الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بطول التصفيق، بل بمدى الاضطراب الذي يزرعه في يقين المتفرج، وبالأسئلة التي تلاحقه خارج القاعة، وبقدرته على زعزعة المسلّمات لا تزيينها.

الكاتب، مهما ادّعى الحياد، يكتب بأخلاقه. النص ليس مجرد بناء لغوي متقن، بل موقف متخفٍ في الجملة، ورؤية للعالم تُهرّب نفسها عبر الشخصيات والحبكة والإخراج. لذلك لا وجود لكتابة “بريئة”، كما لا وجود لمسرح “غير منحاز”. كل نص يختار زاوية نظر، وكل زاوية نظر تُقصي ما سواها، حتى حين تدّعي الشمول والإنسانية المجردة.

من هنا تبدأ الإشكالية حين يُطرح على المسرح مبدأ يبدو، للوهلة الأولى، إنسانيًا وأخلاقيًا: “ضرورة التعايش مع القاتل”. هذه العبارة، بكل ما تحمله من نعومة لغوية، تخفي تحتها انقلابًا أخلاقيًا كاملًا. فهي لا تدعو إلى السلام، بل إلى تطبيع الجريمة؛ لا تقترح حلًا، بل تطلب من الضحية أن تتنازل عن حقها في العدالة مقابل وهم الاستقرار.

وحين يُستدعى هذا الخطاب في سياق القضية الفلسطينية، تتحول المشكلة من خطأ فني إلى مأزق أخلاقي فادح. ففلسطين، في كثير من العروض المسرحية العربية، لا تُقدَّم بوصفها قضية استعمار استيطاني قائم على فعل قتل واقتلاع مستمر، بل كحكاية إنسانية عامة، منزوعة الفاعل، مُجرّدة من سياقها التاريخي والسياسي. تُستعمل فلسطين أحيانًا كخزان عاطفي لضمان التأثير والحضور، لا كقضية تتطلب تفكيكًا وموقفًا ومسؤولية.

التعايش، في هذا السياق، لا يعني إنهاء العنف، بل إدارته. لا يعني المصالحة، بل إعادة توزيع الألم بحيث يصبح الاعتراض فعلًا غير لائق، وردّ الفعل سلوكًا غير حضاري. يُطلب من الفلسطيني، ومن كل ضحية، أن يتصرّف كحكيم متعالٍ على جراحه، وأن يكون أرقى من دم أبنائه، بينما يُعفى الفعل الاستعماري الأصلي من أي مساءلة حقيقية، ويُعاد تقديمه كواقع لا يُناقش بل يُتعايش معه.

وهنا يصبح المسرح شريكًا في الجريمة لا شاهدًا عليها، حين يطالب الجمهور بتقبّل فكرة أن الفعل لا يستدعي رد فعل، وأن الجريمة يمكن أن تُمحى بإضاءة جيدة وحوار متوازن. كأن القتل يفقد معناه حين يُقدَّم بلغة شاعرية، وكأن الاحتلال يصبح “سوء تفاهم” إذا ما أُلبس ثوب الإنسانية.

لكن التاريخ، والإنسان، والمسرح ذاته، لم يعرفوا يومًا هذه المعادلة المختلّة. فالقانون الوحيد الذي لم يسقط منذ بدء الحكاية هو أن كل فعل يولّد رد فعل. إنكار هذه الحقيقة لا يلغيها، بل يؤجلها ويُراكمها حتى تعود أكثر حدّة. وحين يُقدَّم ردّ الفعل إلى منصة الاتهام بوصفه أصل المشكلة، يُقال للضحية: “ها أنتِ تثبتين خطأك بنفسك”. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لو لم يكن هناك فعل، لما كان هناك رد، ولو لم يكن هناك قتل واحتلال وقهر، لما وُجد ما يُسمّى “عنفًا مضادًا”.

الخطاب الذي يُدين ردّ الفعل أكثر مما يُدين الفعل الأصلي لا يسعى إلى تهدئة الصراع، بل إلى قلب الأدوار. فيه يُعاد تعريف العنف بحيث يصبح الاعتراض هو المشكلة، لا ما استدعى الاعتراض. يصبح الغضب جريمة، بينما يُقدَّم الفعل الأول بوصفه قدرًا أو ضرورة تاريخية أو معطى سياسيًا لا يُمسّ.

وفي هذا السياق، تُستخدم “الإنسانية” كدرع لغوي. لكن الإنسانية الحقيقية لا تقوم على مساواة الجلاد بالضحية، ولا على مطالبة صاحب الحق بالتخلي عن حقه كي يبدو أكثر تحضرًا أمام جمهور الصالة. الإنسانية تبدأ من الاعتراف بعدم التكافؤ، ومن تسمية الأشياء بأسمائها، ومن رفض تحويل الأخلاق إلى أداة ضغط على الطرف الأضعف وحده.

المسرح، منذ الأزل، لم يكن مجرد أداة ترفيه. لم يولد ليملأ الوقت أو ليمنح الجمهور شعورًا مؤقتًا بالرضا الأخلاقي. وُجد ليطرح الأسئلة الصعبة، وليقترح حلولًا أو على الأقل أفقًا للتفكير، أو ليكشف زيف الحلول الجاهزة. حين يتخلى المسرح عن هذا الدور، ويتحوّل إلى منصة لإعادة إنتاج الخطاب السائد، فإنه يفقد جوهره.

وحين يذهب بعض الكتّاب أو المخرجين إلى تصوير ما يجري في فلسطين وكأنه قدر محتوم، أو نتيجة سوء تفاهم تاريخي، فإنهم لا يقدّمون قراءة عميقة للواقع، بل يهربون من مسؤوليتهم الفنية والأخلاقية. المسرح لم يكن يومًا مرآة صامتة، بل مطرقة. لم يكتفِ بعكس الواقع، بل كسره ليُرى من جديد، وليُفهم، وليُدان.

تصاعد اللغة المسرحية لا يعني رفع الصوت أو المزايدة الخطابية، بل تعقيد السؤال. لا يعني الوعظ، بل فضح البنية التي تُنتج المأساة وتعيد إنتاجها. المسرح العظيم لا يقول للجمهور ماذا يفعل، لكنه يرفض أن يقول له: لا تفعل شيئًا. بين التحريض الأعمى والاستسلام المزيّن، توجد منطقة ثالثة هي منطقة الوعي، وهناك فقط يولد الفن الحقيقي.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله المسرح هو الاستخفاف بوعي الناس، وتمرير الأفكار القاتلة في عبوات جمالية أنيقة. احترام القضية الفلسطينية لا يكون بالحياد، واحترام الرأي العام لا يكون بتخديره. المسرح الذي لا يقترح بدائل، ولا يفتح أفقًا، ولا يجرؤ على الانحياز للحق، يتحول إلى جزء من آلة إعادة إنتاج العجز، مهما كانت نواياه المعلنة.

في النهاية، النجاح ليس لمن يفرض منطقه بالقوة أو الخطاب، بل لمن يمتلك الحق ويعرف كيف يدافع عنه دون أن يتنازل عن وعيه. والمسرح، إن لم يكن في صف هذا الوعي، وإن لم يجعل فلسطين قضية عدالة لا مادة تزيين، فلن يكون سوى ديكور فاخر لواقع يزداد قبحًا كلما حاولنا تجميله.