كريف الأردن توقّع اتفاقية تقديم خدمات استعلام ائتماني مع المدى للابتكار الرقمي   |   كريف الأردن للمعلومات الائتمانية توقّع اتفاقية خدمات الاستعلام الائتماني مع ڤاليو الأردن   |   حواري …. نسعى أن يكون قانون الضمان الجديد أفضل من القديم   |   الميثاق الوطني: تحرك أردني فاعل بقيادة جلالة الملك يعيد فتح الأقصى ويؤكد الوصاية الهاشمية   |   تمكين الشباب... بوابة الأردن إلى المستقبل   |   تجارة عمّان ومركز التوثيق الملكي يوقعان اتفاقية تعاون في مجال التدريب والترميم والأرشفة   |   باكستان تفرض إجراءات أمنية مشددة قبل محادثات واشنطن وطهران.. وعطلة رسمية في إسلام آباد   |   الأردني سعيد الرمحي ينسحب من نصف نهائي العالم 《للكيك بوكسينغ》 رفضًا لمواجهة لاعب إسرائيلي   |   إغلاقات وتحويلات مرورية بين خلدا وصويلح الليلة   |   الجيش الإسرائيلي يزعم اغتيال مساعد زعيم حزب الله نعيم قاسم   |   《صيدلة》عمان الأهلية تشارك بمنتدى أثر العالمي برعاية وزارة الشباب   |   برامج لإعادة تأهيل مصابي حوادث العمل وإدماجهم اقتصادياً   |   الجيش الأميركي يعلن حصيلة الخسائر البشرية خلال حرب إيران   |   لوّحت بالانسحاب من الهدنة.. إيران تعلق عبور السفن بمضيق هرمز ردا على التصعيد بلبنان   |    ورشة في عمان الأهلية حول ضوابط استعمال الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي والرسائل الجامعية   |   الاجتماع الأول للمجلس الاستشاري لمركز عمان الأهلية للتدريب الصحي 2025 / 2026   |   صيدلة 《عمان الأهلية》تحجز مقعدها ضمن أفضل 10 مشاريع بمسابقة 《انطلق》 على مستوى الأردن   |   Orange Jordan Launches 10th Local Edition of the Orange Social Venture Prize 2026   |   《طلبات》 الأردن ومديرية الأمن العام-المعهد المروري الأردني تجددان تعاونهما لتعزيز الثقافة المرورية   |   أورنج الأردن تطلق النسخة المحلية العاشرة من جائزة Orange للمشاريع الريادية المجتمعية لعام 2026   |  

《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》


《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》
الكاتب - دعاء مأمون

《المسرح بين التزيين والتفكيك: قراءة في خطاب التعايش》

المسرح، حين يفقد جرأته الأخلاقية، يتحول من فعل كشف إلى طقس تزييني، ومن ساحة مساءلة إلى منصة تبرير. ليس كل ما يُعرض على الخشبة فعلًا مسرحيًا بالمعنى العميق؛ فالمسرح الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بطول التصفيق، بل بمدى الاضطراب الذي يزرعه في يقين المتفرج، وبالأسئلة التي تلاحقه خارج القاعة، وبقدرته على زعزعة المسلّمات لا تزيينها.

الكاتب، مهما ادّعى الحياد، يكتب بأخلاقه. النص ليس مجرد بناء لغوي متقن، بل موقف متخفٍ في الجملة، ورؤية للعالم تُهرّب نفسها عبر الشخصيات والحبكة والإخراج. لذلك لا وجود لكتابة “بريئة”، كما لا وجود لمسرح “غير منحاز”. كل نص يختار زاوية نظر، وكل زاوية نظر تُقصي ما سواها، حتى حين تدّعي الشمول والإنسانية المجردة.

من هنا تبدأ الإشكالية حين يُطرح على المسرح مبدأ يبدو، للوهلة الأولى، إنسانيًا وأخلاقيًا: “ضرورة التعايش مع القاتل”. هذه العبارة، بكل ما تحمله من نعومة لغوية، تخفي تحتها انقلابًا أخلاقيًا كاملًا. فهي لا تدعو إلى السلام، بل إلى تطبيع الجريمة؛ لا تقترح حلًا، بل تطلب من الضحية أن تتنازل عن حقها في العدالة مقابل وهم الاستقرار.

وحين يُستدعى هذا الخطاب في سياق القضية الفلسطينية، تتحول المشكلة من خطأ فني إلى مأزق أخلاقي فادح. ففلسطين، في كثير من العروض المسرحية العربية، لا تُقدَّم بوصفها قضية استعمار استيطاني قائم على فعل قتل واقتلاع مستمر، بل كحكاية إنسانية عامة، منزوعة الفاعل، مُجرّدة من سياقها التاريخي والسياسي. تُستعمل فلسطين أحيانًا كخزان عاطفي لضمان التأثير والحضور، لا كقضية تتطلب تفكيكًا وموقفًا ومسؤولية.

التعايش، في هذا السياق، لا يعني إنهاء العنف، بل إدارته. لا يعني المصالحة، بل إعادة توزيع الألم بحيث يصبح الاعتراض فعلًا غير لائق، وردّ الفعل سلوكًا غير حضاري. يُطلب من الفلسطيني، ومن كل ضحية، أن يتصرّف كحكيم متعالٍ على جراحه، وأن يكون أرقى من دم أبنائه، بينما يُعفى الفعل الاستعماري الأصلي من أي مساءلة حقيقية، ويُعاد تقديمه كواقع لا يُناقش بل يُتعايش معه.

وهنا يصبح المسرح شريكًا في الجريمة لا شاهدًا عليها، حين يطالب الجمهور بتقبّل فكرة أن الفعل لا يستدعي رد فعل، وأن الجريمة يمكن أن تُمحى بإضاءة جيدة وحوار متوازن. كأن القتل يفقد معناه حين يُقدَّم بلغة شاعرية، وكأن الاحتلال يصبح “سوء تفاهم” إذا ما أُلبس ثوب الإنسانية.

لكن التاريخ، والإنسان، والمسرح ذاته، لم يعرفوا يومًا هذه المعادلة المختلّة. فالقانون الوحيد الذي لم يسقط منذ بدء الحكاية هو أن كل فعل يولّد رد فعل. إنكار هذه الحقيقة لا يلغيها، بل يؤجلها ويُراكمها حتى تعود أكثر حدّة. وحين يُقدَّم ردّ الفعل إلى منصة الاتهام بوصفه أصل المشكلة، يُقال للضحية: “ها أنتِ تثبتين خطأك بنفسك”. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لو لم يكن هناك فعل، لما كان هناك رد، ولو لم يكن هناك قتل واحتلال وقهر، لما وُجد ما يُسمّى “عنفًا مضادًا”.

الخطاب الذي يُدين ردّ الفعل أكثر مما يُدين الفعل الأصلي لا يسعى إلى تهدئة الصراع، بل إلى قلب الأدوار. فيه يُعاد تعريف العنف بحيث يصبح الاعتراض هو المشكلة، لا ما استدعى الاعتراض. يصبح الغضب جريمة، بينما يُقدَّم الفعل الأول بوصفه قدرًا أو ضرورة تاريخية أو معطى سياسيًا لا يُمسّ.

وفي هذا السياق، تُستخدم “الإنسانية” كدرع لغوي. لكن الإنسانية الحقيقية لا تقوم على مساواة الجلاد بالضحية، ولا على مطالبة صاحب الحق بالتخلي عن حقه كي يبدو أكثر تحضرًا أمام جمهور الصالة. الإنسانية تبدأ من الاعتراف بعدم التكافؤ، ومن تسمية الأشياء بأسمائها، ومن رفض تحويل الأخلاق إلى أداة ضغط على الطرف الأضعف وحده.

المسرح، منذ الأزل، لم يكن مجرد أداة ترفيه. لم يولد ليملأ الوقت أو ليمنح الجمهور شعورًا مؤقتًا بالرضا الأخلاقي. وُجد ليطرح الأسئلة الصعبة، وليقترح حلولًا أو على الأقل أفقًا للتفكير، أو ليكشف زيف الحلول الجاهزة. حين يتخلى المسرح عن هذا الدور، ويتحوّل إلى منصة لإعادة إنتاج الخطاب السائد، فإنه يفقد جوهره.

وحين يذهب بعض الكتّاب أو المخرجين إلى تصوير ما يجري في فلسطين وكأنه قدر محتوم، أو نتيجة سوء تفاهم تاريخي، فإنهم لا يقدّمون قراءة عميقة للواقع، بل يهربون من مسؤوليتهم الفنية والأخلاقية. المسرح لم يكن يومًا مرآة صامتة، بل مطرقة. لم يكتفِ بعكس الواقع، بل كسره ليُرى من جديد، وليُفهم، وليُدان.

تصاعد اللغة المسرحية لا يعني رفع الصوت أو المزايدة الخطابية، بل تعقيد السؤال. لا يعني الوعظ، بل فضح البنية التي تُنتج المأساة وتعيد إنتاجها. المسرح العظيم لا يقول للجمهور ماذا يفعل، لكنه يرفض أن يقول له: لا تفعل شيئًا. بين التحريض الأعمى والاستسلام المزيّن، توجد منطقة ثالثة هي منطقة الوعي، وهناك فقط يولد الفن الحقيقي.

إن أخطر ما يمكن أن يفعله المسرح هو الاستخفاف بوعي الناس، وتمرير الأفكار القاتلة في عبوات جمالية أنيقة. احترام القضية الفلسطينية لا يكون بالحياد، واحترام الرأي العام لا يكون بتخديره. المسرح الذي لا يقترح بدائل، ولا يفتح أفقًا، ولا يجرؤ على الانحياز للحق، يتحول إلى جزء من آلة إعادة إنتاج العجز، مهما كانت نواياه المعلنة.

في النهاية، النجاح ليس لمن يفرض منطقه بالقوة أو الخطاب، بل لمن يمتلك الحق ويعرف كيف يدافع عنه دون أن يتنازل عن وعيه. والمسرح، إن لم يكن في صف هذا الوعي، وإن لم يجعل فلسطين قضية عدالة لا مادة تزيين، فلن يكون سوى ديكور فاخر لواقع يزداد قبحًا كلما حاولنا تجميله.