ڤاليو تتعاون مع العربية مصر لتوفير حلول دفع مرنة للمسافرين في مصر والأردن   |   دولة فيصل الفايز.. حين تتجلى حنية الأب في مواقف الرجال   |   إجراء العديد من أعمال التطوير في مدينة الحسين للشباب في عمّان   |   《زين》 الأولى عالميا في قطاع الاتصالات لـ 《أفضل جهات التوظيف》     |   تطبيق Samsung Health يدعم ميزة التدريب على النوم ويقدم إرشادات أسبوعية مخصصة   |   مؤسسة ولي العهد.. رؤية الحسين في صناعة جيل يغير وجه المستقبل   |   الأردني هاني الدباس يتأهل ضمن أفضل 10 مرشحين لجائزة أفضل مدير فندق في الشرق الأوسط لعام 2026   |   العمري: جهود الملك في ماليزيا تفتح آفاقاً استثمارية واعدة للأردن   |   د. شلبي من عمّان الأهلية يشارك ببرنامج إيراسموس+ للتبادل الأكاديمي في هنغاريا   |   Orange Jordan Sponsors Amman AI Hackathon Organized by Fikr & in Partnership with Replit   |   معالي المستشار تركي آل الشيخ يرد على الفنان عمر العبداللات    |   حوارية في 《شومان》بعنوان 《الجائزة العالمية للرواية العربية.. 20 عاما على الانطلاق》   |   سيتي يتعاون مع البنك العربي لتوفير خدمة المقاصة بالدولار الأمريكي على مدار الساعة عبر شبكته العالمية   |   توقيف شخص بجناية تزوير أوراق رسمية 15 يوما   |   تحت رعاية وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين افتتاح شاطئ «سولت» في البحر الميت بأجواء مميزة وحضور واسع من شركاء القطاع السياحي   |   الأستاذ الدكتور إبراهيم العبادي عميداً لكلية الصيدلة بجامعة فيلادلفيا   |   العين هيفاء النجار ترعى حفل تكريم نوادي حكمت الثقافة 2026 بمشاركة 21 مديرية تربية وتعليم   |   البنك الأردني الكويتي ومتحف الأطفال يوقعان اتفاقية شراكة لتعزيز الثقافة المالية لدى 1,400 طفل سنوياً   |   في فعالية مميزة.. البريد الأردني يحتفل بمرور مئة عام على إصدار أول طابع بريدي أردني ... فيديو وصور   |   تعلن جامعة فيلادلفيا عن حاجتها لتعيين: سكرتيره   |  

وكان أبوهما صالحًا


وكان أبوهما صالحًا
الكاتب - د. نهاد الجنيدي

وكان أبوهما صالحًا

 

الموضوع: القادم أحلى

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

شوي شوي يا جمال… الصوت بلّش يجاوب.

البرد يتسلّل إلى النخاع الشوكي، ورياح صرصر تدقّ النوافذ كأنها تستأذن بالدخول.

الليل صامت، وزخّات مطر خفيف تتساقط ببطء.

 

جمال يتمتم:

يا حو يا حو 

البرّد مش طبيعي ….مش طبيعي يا محمد… خود احفر إنت.

 

هامان يقاطع وهو يشمّر عن كمّه:

أعطوني إياها أنا… إنتو تعبتوا.

 

خلف يسأل:

كيف الأمور يا شباب؟

 

ويردّ محمد من بعيد:

لا تخاف… من عندي تمام.

كل شي تحت السيطره 

فجأة يلمع ضوء قوي، كأنه شمس الساعة وحدة ظهرًا.

يصرخ محمد:

النجدة شباب! أكلناها! الشرطة كبست… شكلو حدا من الحيران بلّغ!  

سكن الهواء فجأة ،و المطر توقف من الصدمة !!

صوت خشن يرتفع:

شباب… ولا حركة. إحنا مراقبينكوا من أول ما جيتوا. آآه… شو نقول مبروك ؟… لقيتوا إشي؟

 

يحاول بشير الكلام:

يا سيدي والله…

 

لكن الضابط يقاطعه:

لا تخاف. إنتو عاشر ناس بيحفروا هون. بس دمرتوا الآثار والموقع. ما في دهب هون… الله يسامحكم.

كل ما تشوفوا سلحفاة ولا سمكة بالحجر… تيجوا تخربوا الدنيا؟ انتو عارفين إنه ممنوع البحث عن الدفائن؟

 

هامان يحاول يبرّر:

والله يا سيدي عارفين… بس الطفر قاتل. وقال تعالى:

﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾

 

يبتسم الضابط وهو يهدي الجو:

آه… بس أبوهما… مش أبوكما، يا عباقرة.

فيضحكون قليلًا رغم خوفهم.

 

خلف يرفع حاجبه:

سيدي… الأردن مليانة كنوز. عشرين حضارة مرّت من هون. الكل كان يدفن. ولا تنسى الأتراك… إحنا مدينة فوق مدينة.

ويقرأ:

وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ .

فيرد الضابط:

صح… بس البحث ممنوع لأنه ممكن تدمروا تاريخ بلد كامل من غير ما تحسّوا.

 

هامان يدخل مرة ثانية:

يا سيدي… مش الحكومة قالت رح تنظّم عملية البحث؟ وتعمل مكافآت للشخص اللي ببلّغ عن موقع أثري؟

أنا من سنة أجاني حلم إنه في أرض بعمان الغربية فيها ذهب بعدد شعر راسي…

لو طلع صح، بنعش اقتصاد البلد! رحت… ولقيت إشارات… بس خايف أبلّغ وأروح بسين وحيم.

لو الأمور واضحة… من بكرا الصبح ببلّغ.

 

محمد يضيف:

وبعدين كل أطياف المجتمع بتحكي بهالموضوع… الطبيب، المهندس، سواق التكسي… والله يا سيدي غير الحكومة ما تلحق مواقع أثرية.

 

بشير يتنهد:

والناس بدها أي بصيص أمل… وصاروا كلهم سياسيين ونشطاء ما شاء الله من قلة الشغل. لو الدولة تحدد نسبة أو مكافأة واضحة… أنا اليوم بعطيكم موقع التاريخ نفسه بيحكي عنه.

 

همّام يكمل:

وبعدين كل أوروبا بتعطي نسبة ومكافأة… وانتو كمان بتحموا الناس البسيطة من المحتالين…

لأنه كل واحد مقتنع إنه يا بأرضه… يا تحت بيته… في دهب.

 

الهواء يسكت فجأة…

والعيون كلها تلتفت على الأب الصالح اللي تقدم خطوة واحدة بس، لكنها كانت أكبر خطوة في الليلة.

لحيته تتحرك مع نسمة برد، وصوته يطلع مثل همس فجر:

 

يا أولادي… الأرض إلها حرمة، والتراب إلّه قصة، والرزق ما بيجي بالحفر بالليل… الرزق بيجي من باب نظيف.

ربنا ما حكى عن كنز بسبب الحفر… حكى عنه بسبب الصلاح.

 

ثم رفع صوته قليلًا:

“﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾”

 

سكت الجميع، والضابط يهز رأسه احترامًا.

محمد يقول بصوت منخفض:

يا عم… الدنيا ضاقت.

 

الأب يرد بابتسامة فيها وجع وحنان:

بعرف… بس الحفر مش دايمًا يفتح باب رزق… مرات بيفتح باب مصيبة،خاصة اذا مرصود !

 

خلف يسأل:

طب شو نعمل؟”

الأب يرد:

إحنا أمة شغل… مش أمة انتظار. بس الشغل بدّه عقل، قانون، ونظام… مش فوضى.

 

الضابط يضيف:

وعشان هيك الحكومة بتفكر تنظم العملية: تبليغ… مكافآت… ترخيص… منع عشوائية.

مش غلط الناس تشتغل. الغلط نضيّع تاريخ الأردن.

 

عنصر البحث الجنائي يسلّط الضوء على قاع الحفرة.

تراب… حجارة… كسرة فخار… ولا ذهبة واحدة.

 

هامان بخيبة مضحكة:

يعني… مش دهب؟

 

الضابط يرد:

لا. هاي بقايا جرة قديمة. جزء من تاريخ ناس عاشوا هون… مش كنز.

 

محمد يسأل:

يعني نرجع فاضيين؟

 

الأب يرد:

ما لاقيتو ذهب… بس اخدتوا عبره. الأرض ما بتتنقب بلا علم… ولا بلا قانون… ولا بلا نية طيبة.

 

ثم يقرأ بصوت مرتل:

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا… ﴾

 

الضابط يضع كشافه جانبًا ويقول:

شباب… هاي المرّة امشوا على البركة.

اللي بدو دهب الأردن… لازم يحمي ترابها وتاريخها قبل كل شي .

 

يتنفس الشباب بعمق. المطر خف، والريح صارت ألطف، والكلام صار أعمق.

 

محمد ينظر للحفرة:

يمكن لو الدولة تنظّم الشغلة… نرتاح كلنا.

 

هامان يهز رأسه:

والله يا جماعة… لو القانون نزل… أنا أول واحد ببلّغ عن أرض جدي.

 

بشير يضحك:

القانون هذا لو يجي… بيشغل الشباب. بدل ما هم عاملين حالهم منظرين ونشطاء، وهم مش عارفين وين الله حاططهم.

 

الأب الصالح يبتسم:

والقادم أحلى… إذا كانت قلوبنا احلى .

 

ويرفع يديه للسماء ويدعو:

اللهم اجعل رزقهم مباركًا، واجعل وطنهم آمنًا، واجعل قلوبهم صالحةً مثلما حفظت كنز اليتيمين من قبل.

 

وهكذا… فهموا كلهم أن الأردن مش ناقص ذهب،

الأردن نفسه هو الكنز.

الإنسان كنز.

القانون كنز.

والنية الصالحة كنز.

 

وما دام في ناس قلبها على البلد…

فالقادم أحلى.