ڤاليو تتعاون مع العربية مصر لتوفير حلول دفع مرنة للمسافرين في مصر والأردن   |   دولة فيصل الفايز.. حين تتجلى حنية الأب في مواقف الرجال   |   إجراء العديد من أعمال التطوير في مدينة الحسين للشباب في عمّان   |   《زين》 الأولى عالميا في قطاع الاتصالات لـ 《أفضل جهات التوظيف》     |   تطبيق Samsung Health يدعم ميزة التدريب على النوم ويقدم إرشادات أسبوعية مخصصة   |   مؤسسة ولي العهد.. رؤية الحسين في صناعة جيل يغير وجه المستقبل   |   الأردني هاني الدباس يتأهل ضمن أفضل 10 مرشحين لجائزة أفضل مدير فندق في الشرق الأوسط لعام 2026   |   العمري: جهود الملك في ماليزيا تفتح آفاقاً استثمارية واعدة للأردن   |   د. شلبي من عمّان الأهلية يشارك ببرنامج إيراسموس+ للتبادل الأكاديمي في هنغاريا   |   Orange Jordan Sponsors Amman AI Hackathon Organized by Fikr & in Partnership with Replit   |   معالي المستشار تركي آل الشيخ يرد على الفنان عمر العبداللات    |   حوارية في 《شومان》بعنوان 《الجائزة العالمية للرواية العربية.. 20 عاما على الانطلاق》   |   سيتي يتعاون مع البنك العربي لتوفير خدمة المقاصة بالدولار الأمريكي على مدار الساعة عبر شبكته العالمية   |   توقيف شخص بجناية تزوير أوراق رسمية 15 يوما   |   تحت رعاية وزير السياحة والآثار الدكتور عماد حجازين افتتاح شاطئ «سولت» في البحر الميت بأجواء مميزة وحضور واسع من شركاء القطاع السياحي   |   الأستاذ الدكتور إبراهيم العبادي عميداً لكلية الصيدلة بجامعة فيلادلفيا   |   العين هيفاء النجار ترعى حفل تكريم نوادي حكمت الثقافة 2026 بمشاركة 21 مديرية تربية وتعليم   |   البنك الأردني الكويتي ومتحف الأطفال يوقعان اتفاقية شراكة لتعزيز الثقافة المالية لدى 1,400 طفل سنوياً   |   في فعالية مميزة.. البريد الأردني يحتفل بمرور مئة عام على إصدار أول طابع بريدي أردني ... فيديو وصور   |   تعلن جامعة فيلادلفيا عن حاجتها لتعيين: سكرتيره   |  

ما أنا بقارئ


ما أنا بقارئ
الكاتب - د. نهاد الجنيدي

ما أنا بقارئ

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: من لا يقرأ التاريخ يكتبه.

 

تحيّة طيّبة وبعد،

 

الأحد الدامي… أو الأحد الأسود.

هيا بنا نقرأ، نفهم، وندرك.

 

في الثاني والعشرين من يناير عام 1905، خرجت الجماهير في روسيا تطالب بالخبز والعدالة والسلام.

خرجوا حاملين الأيقونات والصلبان، لا الحجارة والسيوف.

لكنّ الرصاص كان أسرع من الدعاء، وسقط الأبرياء قبل أن يفهموا من أطلق النار.

 

الثلج يغطي الشوارع ككفنٍ أبيض.

تتساقط قطرات دم بلون اسود 

تظهر الأيقونات والصليب في أيدي المتظاهرين،

نساءٌ يرفعن صورًا، رجالٌ يهمسون بصلوات،

أطفالٌ تتسع عيونهم دهشةً.

 

تعلو الهتافات شيئًا فشيئًا — عدالة… خبز… سلام…

تمتزج أصوات التراتيل بقرع أجراسٍ بعيدة،

ثم تتسارع دقات القلب في الخفاء.

 

الدهشة تقترب من وجه القيصر،

نظرته تتنقّل بين الجموع،

يُصغي للأصوات كما لو كانت موسيقى لا يفهم لحنها.

 

وبين الحشود، عيونٌ غريبة تلمع، تهتف بالثورة وتهمس بالفتنة.

 

وفجأة — صوت طلقة.

تتجمّد الصورة للحظة،

تسقط اللافتة من يد امرأةٍ عجوز،

ويتحوّل المشهد إلى صمتٍ كثيف،

كأنّ صفحات التاريخ ليست سوى بضع صفحاتٍ مكرّرة،

نُسخت بخطٍّ جديد.

 

لم يكن القيصر يواجه شعبه، بل كان يواجه خطةً أكبر منه ومنهم.

خطة كُتبت بحروفٍ خفية على رقعة شطرنجٍ دولية، تتحرّك فيها : الشعوب بيادق، والقيصر هدف ، واللاعب الحقيقي لا يظهر أبدًا.

 

ومن المضحك المبكي أن من نادى باسم الكنيسة وأشعل الثورة باسم الإيمان،

كان أول ما فعله بعد الانتصار أن هدم الكنائس،

وألغى كل مظاهر العبادة،

وأعدم العلماء والمفكّرين،

ونفى من تبقّى منهم إلى المنافي البعيدة.

تحوّلت شعارات الحرية إلى قيودٍ جديدة،

وصار الصمت واجبًا، والعبادة جريمة.

 

منذ تلك اللحظة، بدأ التاريخ ينسخ نفسه

 ( كوبي بيست )من ثورةٍ إلى أخرى، ومن بلدٍ إلى بلد، بنفس السيناريو

هتاف، دم،، فوضى .

تُقتل القيم قبل أن تُقتل الجيوش، وتُباد الأخلاق باسم الحرية، ويُباع الوطن بأثمانٍ رخيصة.

 

الإعلام يكمّل المشهد.

لم تعد البنادق وحدها تقتل، بل الكاميرات أيضًا.

زاوية واحدة تُغيّر مصير أمة، وشاشة واحدة تُقلب البطل إلى طاغية، والقاتل إلى شهيد.

 

أما النشطاء ، فهم ممثّلو الصفّ الثاني في المسرحية ،يتقنون التمثيل أكثر مما يتقنون الكذب ،

ويعيشون على فتات التمويل الخفيّ لا على الخبز و الزيت .

فصاروا أدواتٍ في صراعات لا يدركون أبعادها.

 

تتكرّر القصة في كلّ مكان، بنفس الحبكة:

الشعوب تخرج باسم الكرامة، فتفقد كرامتها.

تهتف باسم العدالة، فتُسلب حريتها.

تبحث عن الخلاص، فتقع في فخٍّ جديدٍ من صنع اليد نفسها، اليد التي تحرّك البيادق .

لم يعُد الرصاص وحده يقتل، ولا المدافع تُسقط المدن.

اليوم تُسقطها الكلمة المصوَّرة.

صورة واحدة تُفبرك في غرفةٍ مظلمة، فتُشعل ثورة في بلدٍ لم يبدأ فيها شيء.

.

صوتٌ مُعدَّل بالذكاء الاصطناعي يُغيّر اتجاه الرأي العام،

ومشهدٌ مقتطع من سياقه يصنع بطلاً أو خائناً في دقائق.

 

بين عام 1905 و2025، لم يتغيّر شيء سوى نوع الكاميرا.

أما اللعبة فهي ذاتها:

المشهد يُخرجه الآخرون، والدم يُسفك باسم الحرية،

وما زالت الشعوب تُصدق وهي تُقاد إلى المصير ذاته، ولكن هذه المرة عبر الشاشات.

 

في النهاية، يعود السؤال كما في البداية:

من أطلق النار؟

ومن كتب السيناريو؟

 

إن كنت تقرأ هذه الكلمات في أمنٍ وأمان،

فلا تكتفِ بالفهم، بل بالإدراك فعلى الاغلب انه لم يفت الاوان بعد .

لأن من لا يُدرك في الوقت المناسب،

سيجد نفسه سطرًا آخر في رواية جديدة تُكتب بعنوان:

ما أنا بقارئ، 

 .حين يكون الجهل اختيارًا لا عذرًا.

و في النهاية :

عزيزي القارئ نسال سؤالا مهماً :

من يكتب التاريخ؟

أهو من عاصره، أم من خطّط له .

فحين تسمع كلمة اقرأ:

لا تقل ما انا بقارئ .